السبت، 9 يناير 2016

لَـــيان




كنتُ كلما قرأت تلك الآيات من سورة القصص " فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا " سرح ذهني و شرد بصري من هذا الموقف العظيم الذي تتجلى فيه قمة النُبل الإنساني بكل ما تحمله الكلمة من معاني عظيمة و جليلة ... كيف لا و هو موقف يحدث بين نبي كريم من أولي العزم من الرسل و الفتاة التي اختارها الله زوجة لرسوله و أبوها الشيخ الكبير صالح مدين.
 
و لَـــيان هو الاسم الذي اخترته بنت الرجل صالح مدين الذي نزل عنده موسى عليه السلام بعدما هرب من مصر ... ثم تزوج من هذه البنت في قصة رائعة عجيبة قصَّها علينا القرآن في سورة القصص ...

أحاول في هذه الرواية تسجيد المعاني الجميلة الرائعة في تلك القصة من الحياء و العفة من جهة الفتاة ... و الشهامة و الرجولة من جهة الشاب ... و تيسير أمر الزواج من جهة والد الفتاة ...
  
و ستكون الرواية متاحة على منصة كُتُبنا للنشر الإلتكروني إبتداءا من أول مايو 2015 بإذن الله.
و يمنك إيجاد الرواية في هذا الرابط

أُم سُلَيم

تعرفون أُم سُلَيم ؟
و من ذا لا يعرفها ؟! ... لا أظن أحداً يجهلها
هي صحابية جليلة و لها مآثر في الإسلام عظيمة ...
هي أم أنس بن مالك وكفى , و لو أنها اكتفت بذلك لكان لها شرفاً و فخراً , و لكنها لم تقنع بذلك حتى تزوجت أبا طلحة الأنصاري على الإسلام فكانت أغلى نساء الدنيا مهراً
على أن ما فعلته أم سُلَيم كله كان في كفة , و موقفها يوم مات رضيعها في كفة أخرى !!!
فالنساء عموماً أسرع إلى الجزع من الرجال , و الأمهات خصوصاً أرق الناس قلوباً على الأبناء, و صغار الأبناء يكون التعلق بهم أكبر و العطف عليهم أشد.
أما أم سُلَيم ... فقد ضربت أروع الأمثلة في الصبر و الثبات و الرضاء بقضاء الله و التسليم الكامل لحكمه ... ثم ليس هذا فحسب , فقد ضربت أعظم صورة و أحلاها و أجملها لما يجب أن تكون عليه الزوجة الصالحة العاقلة التي تعرف كيف تُحسِن إلى زوجها و تقابله بما يسره و لا تُنَغِّص عليه حياته.
فكان عاقبتها أن أكرمها الله في ذريتها و رأت من أولادها و أحفادها العلماء العاملين و المجاهدين الفتاتحين.
و هذه رواية قصيرة تحاول أن تلقي الضوء على هذه النفوس العظيمة و المشاعر الفياضة التي كونت هذا المشهد الرائع


===================================================================


كان الرجل على غير عادته كما كان يراه إخوانه و زملائه في العمل، فقد جاء هذا اليوم إلى الحقل في أعالى المدينة بغير الوجه الذي يأتي به كل يوم . . . كان كسير النفس حزين القلب شارد الذهن . . . و لربما توقف عن عمله لحظات من فترة لأخرى و يشرد ببصره إلى السماء . . . لقد بدا و كأنه لايرى ما حوله من جمال النخيل الباسق و التربة السوداء الخصبة و لا يسمع هذا الصهيل العذب من تلك الخيل العربية الأصيلة التي يحبها العرب لدرجة تبلغ العشق . . .
اقترب منه أحد إخوانه و قال السلام عليك يا أبا طلحة
رفع أبو طلحة وجهه قائلا وعليك السلام و رحمة الله و بركاته يا كعب
قال كعب مالي أراك اليوم مهموماً حزينا
أخذ أبو طلحة نفسا عميقاً طويلاً ثم نَفَثَه و كأن حر الرمضاء قد خرج من صدره قائلاً لا شيء، غير أن ابني الصغير و أحب ولدي إلى قلبي تركته مريضاً في المنزل
ربت كعب على كتفه قائلاً لا حول و لا قوة إلا بالله . . . أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يشفي ولدك و يُقِرَ عينك به، و ما علته؟
قال أبو طلحة قد تركته محموما قد ارتفعت حرارته، فرد عليه كعب و هل عنده من يُمَرِّضه ، قال أبو طلحة أجل، أمه عنده تعتني به
فحاول كعب أن يخفف عنه قائلا و قد رسم ابتسامة خفيفة على وجهه أبشر يا أخى فإن الله لا يكتب لنا إلا الخير و إن شاء الله تعود إلى البيت فتجده قد شفي و ملئ البيت لعباً و ضجيجاً فيرسم أبو طلحة إبتسامة باهتة مجاملة لأخيه الذي يحاول أن يُسَرِّي عنه

                                         #   #   #
وضعت الأم طفلها المريض في حجرها و هي تنظر إليه و تمسح على رأسه بكل حنان الأم و حبها . . . و ما أدراك ما حب الأم إنه الحب الوحيد على وجه الأرض الذي يبدأ و ينمو و يكتمل و المُحِبُ بعدُ لم ير حبيبَه فهو يبدأ و ابنها مازال جنينا في بطنها . . . إنه الحب الصافي البرىء المجرد من كل غرض و غاية . . . إنه الحب الذي يجعل الأم على أتم استعداد أن تبذل حياتها رخيصة للحفاظ على حياة وليدها . . . إنه الحب الذي يجعل الفرس ترفع رجلها عن صغيرها مخافة أن تؤذيه . . . إنه الحب الذي يحمل الأم أن تسهر الليالي الطوال بجوار صغيرها المريض لا يغمض لها جَفن مادام عليلاً حتى يبراء. . . 
نظرت الأم إلى وليدها و قالت لهفي عليك يا ولدي و الله ما أدري ما أصنع لك كيف لي أن أُوقِف هذه الحمي التي تأكل جسدك الصغير
دخلت عليها إحدى بناتها و قالت كيف حال أخي الصغير يا أماه . . .
قالت أم سُليم مازالت حرارته في ارتفاع و لم تفلح كل محاولات خفض الحرارة . . . قالت البنت ويحي عليك يا أخي ما عدتَ تملئ البيت حركة و لعباً و ضحكاً كما كنت.
قالت الأم لا تقولي هذا يا رُقية و لكن ادعي الله أن يشفيه فالله خيراً حافظاً و هو أرحم الراحمين . . . فقالت البنت أسأل الله العظيم أن يشفيه يا أماه.
ثم مرت ساعة و بدأ الطفل الصغير يحتضر بين يدي أمه فنظرت إليه و يجود بنفسه و قطرت من عينها دمعات حارة سالت على وجه الصغير رحمة به ثم فاضت روحه . . . فقالت إنا لله و إنا إليه راجعون لله ما أخذ و لله ما أعطى و كل شيء عنده بمقدار . . . فلم تصرخ و لم تشق جيباً و لا لطمت خداً إمتثالاً لأمر ربها و اتباعاً لسنة نبيها.
و ما أن علم أهل البيت بالخبر حتى علا صوتهم بالبكاء على الغلام الصغير . . . فسكنتهم أم سًليم و سكتتهم و قالت لهم أم تعلموا أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، إن أصابته سرَّاء شكر فكان خيراً له و إن أصابته ضرَّاء صبر فكان خيراً له و مازلت بهم حتى سكنوا ثم قالت لا تخبروا أبا طلحة بأمر الغلام حتى أكون أنا أخبره . . . فوضعت الغلام في ناحية من البيت و سجَّت عليه ثوبًا. 
#   #   #
دخل وقت العِشاء فقامت أم سُليم فهيئات العَشاء و لبِست أجمل ثيابها و تعطرت و جسلت تنتظر زوجها . . . و ما هو إلا قليلاً و سمعت صوت أبي طلحة يطرق الباب فقامت إليه بنفسها و فتحت له الباب و قالت حمدا لله على سلامتك يا زوجيَ الحبيب كم اشتقت إليك و ألقت بنفسها بين ذراعيه في دلال فربت أبو طلحة على كتفها في حنان فبادرته قائلة كيف كان يومك . . . نظر إليها و قد بدا عليه إرهاق يوم طويل من العمل الشاق في الحر و الشمس كما لا يخفى من وجهه علامات الخوف و الجزع على ابنه الصغير المحبب إلى قلبه . . .
و لكنه ما إن دخل و نظر إلى زوجته في أحلى صورة و شَمَّ هذا الريح الطيب الذي يفوح منها حتى استعاد بعض نشاطه و ابتسم قائلا الحمد لله يا سهلة (اسم أم سُليم) كان يوم عمل شاق كغيره من الأيام و لكني أحتسب عند الله الأجر إذ أني أسعى عليكِ و على أولادنا و أهلنا و أطعمكم من حلال لا شبة فيه . . . فابتسمت في دلال و قالت له بارك الله لنا فيك يا حبيبي . . .
قال و لكنَّ أكثر ما كدّرَ عليَّ يومي هو همّي بأمر الغلام الصغير و قد تركته محموما كما تعلمين . . . فكيف هو الآن يا سهلة هل تحسنت صحته . . . فقالت له الحمد لله هو أسكن مما كان
ثم قالت تعالى يا أبا طلحة تناول عشاءك و ارتاح من عناء يومك . . . فتقدم أبو طلحة و كانا لايزالان واقفين عن باب الدار فدخل إلى غرفته فوجد زوجته قد أعدت له عشاءاً شهيا . . . جلس الزوجان على مائدة الطعام يتبدلان أطراف الحديث و كل منها يحكي للآخر كيف كان يومه ثم يخبرها أبو طلحة ماذا تعلم من رسول الله صلى الله عليه و سلم في هذا اليوم . . .
فلما فرغا من الأكل قالت له هل شبعت يا حبيبي . . . فنظر إليها بعينين ملئهما الحب و الرضا و قال الحمد لله الذي أطعمنا و سقانا و جعلنا مسلمين سلمت يمينك يا أم سُليم و جزاك الله عني خيراً . . . فردت عليه بابتسامة عذبة و قالت و أنت جزاك الله عنا خيراً
و قامت الزوجة الحنون تتصنع لزوجها فقالت هل تذكر يا أبا طلحة يوم خطبتني و كنت يومئذ ماتزال على الكفر فقلت لك لا أتزوجك حتى تسلم فظننت أنت أنني لا أريد إلا الذهب و الفضة فقلت لك أنك إن أسلمت تزوجتك و اعتبرت ذلك مهري لا آخذ شيئا غيره . . . فأسلمت فتزوجنا . . .
تبسم الزوج المحب لزوجته قائلاً أجل يا سهلة كم كان هذا جميلا و قد ظل الناس يتحدثون أنه لا يوجد امرأة أغلى منك مهراً و ضحك الزوجان . . . و استمرت الزوجة تتصنع لزوجها حتى كان بينهما ما يكون بين الرجل و أهله
ثم قالت أم سليم يا أبا طلحة  أرأيت آل فلان فإنهم استعاروا عارية من آل فلان فلما طلبوا عاريتهم أبوا أن يردوها . . . قال أبو طلحة ما كان ذلك لهم بحق إن العارية مؤداة إلى أهلها . . . قالت أم سُليم: فإن ابنك كان عارية من الله تعالى متعك به إذ شاء وأخذه إذ شاء وإن الله قد قبضه . . .
فتغير وجهه و حزن على فقد ولده الصغير الحبيب و لكن لم يقل إلا إنا لله و إنا إليه راجعون . . . فأنّى له أن يجزع و هو يرى هذا الثبات العجيب من زوجته أم الغلام الصغير و هو مهما تكن رحمته بالغلام فلن تبلغ رحمة أمه به فاستلهم منها الصبر و السلوان و حمد الله و استرجع و الطلب من الله أن يخلفه خير مما أخذ منه
فلما أصبح أبو طلحة ذهب إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فأخبره بالخبر فسأله رسول الله : "أعرَّسْتُم الليلة"  فقال أبو طلحة نعم . . .  فقال رسول الله  "اللهم بارك لكما " فولدت غلاماً سماه النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله فقال رجل من الأنصار : فرأيت تسعة أولاد كلهم قد قرأوا القرآن ـ يعني من أولاد (عبد الله) المولود ـ وما ذاك إلا استجابة لدعوة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حين دعا " اللهم بارك لكما  "

سلامٌ عليك يا فجرُ



سلامٌ عليك يا فجرُ إذ ذَّكَّرتَني بها
فإن كنتَ مَبدأ الأيامِ فحياتي قد بدأتْ بِها
أخبرها يا فجرُ أني أُحِبُها
و أن قلبي ما صَلَّى إلا في مِحرِابِها
و العين تُقسِم - غَيرَ حانثةٍ - أن ما رأت مِثلَها
أبدًا و لا في جَمَالِها
أخبرها يا فجرُ و قُل لَّها
أنني مازلت دوما على عهدي لها
و أن فؤادي ما عاد فيه مكانٌ لِغَيرِها
أخبرها أنها أنا .. و أني أرى نفسي بوجهها
بل إنَّ كُلَّ خَضَار الكونِ ليس إلَّا بَعضاً من ضَيِّ عَينِها
أُحِبُها يا فجرُ و ربِّك أُحِبُها
قد هَامَ كلُ كِياني بـ حبِها
فأبلِغها سلامي و قل لها
أحبها

دولة الحق


رَفَعَ الشيخُ الكبيرُ رأسَه عن مصحفِه الراقدِ بين يديِه لينظرَ إلى طالبِه الذي سأله ذلكَ السؤالَ فاستنفرَ كلَ ذرةٍ من ذراتِ مُخِهِ المُتَقِدِ رغم سِنِي عُمُرِه الثمَاَنين .. فإذا لحيتُه كأنها لُجينٌ أُذيبَ على خَدِّه الأسيل .. و إذا الزمانُ قد خَطَّ في جَبهَتِه و وَجهِه ممراتٍ و أخاديدَ تجري فيها أنهارُ الحِكمةِ التي شَرِبها من بطونِ الكُتبِ و عاشها على مدى عُمُرِه المَدِيد ..
ماذا قلتَ يا بُنَي .. خَرجَ صوتُه رَخيماً هادئاً ساكناً كما كُلِ ملامحِه و قَسَماتِه
عدَّل الطالبُ من جِلسَتِه إذ هَالَهُ نظر الشيخِ إليه مُباشرةً على غير عادته قائلاً سألتُك يا شيخَنا عن دولةِ الحقِ و دولةِ الباطلِ .. كيف يمكنُ للأولى أن تنتصرَ على الثانيةِ إن كانت الثانيةُ عاليةً مُتَمَكِنةً من البلادِ و العِبادِ .. قد جَمَعت حَدَّها و حَديدَها و عاثت في الأرضِ الفسادِ ..
فتنهدَ الشيخُ مُخرِجَاً من سويداءَ قلبِه زفرةً حارةً بحرارةِ ما يعرفُه الشيخُ و يراهُ من اصطراعِ الحقِ و الباطلِ .. و قال: قد سألتَ عن عظيمٍ فاسمع ..
إعلم يا بُنَي إنَّ الحربَ بين الحقِ و الباطلِ حربٌ أزليةٌ مُذ خلقَ اللهُ آدمَ و حتى قيامَ الساعةِ .. و لكنَّ اللهَ جَلَّت حِكمَتُه قد وضعَ لهذا الصراعِ سُنَناً كونيةً ربانيةً لا تتبدلُ و لا تتغيرُ و لا تُحابي أحداً بِحالٍ مهما إدَّعى لنفسِهِ من صُنُوفِ المُحاباةِ ..  فإن أرادَ مُريدٌ أن يُقِيمَ دولةَ الحقِ بـغيرِ مُراعاةِ تِلك السُنَن فقد أفسدَ من حيثُ أرادَ أن يُصلِحَ و أسأءَ من حيثُ أرادَ أن يُحسِنَ ..
نَظَر الرجلُ المُسِن إلى عينَي تلميذِه الصافيتين كـصفاءِ قلبِه .. و قال: يا ولدي إنَّ الحقَ مُنتصرٌ لا محالةَ و اقرأ إن شِئت قوله تعالى "إنَّا لَننصر رسلنا في الحياة الدنيا و يوم يقوم الأشهاد" .. و الباطلَ زاهقٌ لا ريبَ و اسمع لقول ربك تعالت قدرته " بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق " .. و هذا متواتر في تاريخ البشرِ منذ بدء الخَليقةِ إلى يومِ الناسِ هذا .. و لكن .. 

فارس و فيروز

فارس ..
طالب يدرس العمارة في كلية الهندسة .. من أسرة ميسورة الحال لا هو بالغني ذي الأموال الطائلة و لا بالفقير المُدقع
طويل .. يصل طوله لـ 180 سم .. أبيض الوجه .. أقنى الأنف .. عذب البسمة .. جميل المُحَيا.. صغير الأذن .. شديد سواد الشعر .. بُنْيّ العينين
قوي البِنيَةِ .. مفتول العضلات .. عريض المِنكَبين .. و لكن ليس كعرض أحلامه التي بلغت المشرقين و المغربين
قوي الشخصيةِ  .. و لكنه و يا للعجب رقيق القلب مرهف الحِسِ
يُدمِعُه موقف رقراق .. و تُرضيه كلمة حانية .. و لا يغضب إلا عندما تُنتَهك الحُرُمات
رخيم الصوت , هادئ الطبع .. و لكنه إن غَضِبَ إنفجر كـبركان  هادر لا يهدئ حتى يُعيد الحق إلى نِصابه
فارس نبيل , بـعلو همته و سُمُو غايته و كرم أخلاقه .. في زمان كسر فيه الفرسان المزعومين أسيافهم و نزلوا عن صهوة جيادهم
و رياضي أصيل يجري و يسبح و يعلو صهوة الجياد و يقارع الأبطال في حلبات الكارتيه و الكونغ فو ..
فقد حاول أن يجمع خِصال الخير .. فلا هو الذي أهمل عقله و طرح دراسته .. و لا هو الذي انكب على كتابه فأصبح مثال الموظف المصري صاحب الكرش الكبير و النظارة كعب كوباية
و هو مع هذه الصفات لا يستطيع أن يسكت عن الحق أو أن يرى الخطأ أمامه دون أن يُبدي رد فعل أو اعتراض بأي صورة كانت من الصور .. و هذا ما سبب له كثيرا من المشاكل و خاض بسببه كثيرا من المغامرات .. و لكن أحلاها قاطبة كانت يوم أنقذ فيروز من براثن هؤلاء الذين حاولوا الإعتداء عليها و هي خارجة من الكلية بعد إنتهاء سكشن متأخر .. لتبدأ بذلك صفحة جديدة كليا من حياته ..

فيروز ..
بنت بالغة الجمال .. شعرها البني اللامع قد انساب في كل نعومة و رقة على وجهها الأبيض المستدير الذي يشبه البدر في بهاء طلعته .. تتلألأ عيناها الخضراوين كأنهما نجمين في سماء صافية .. فإذا انفرج ثغرها الصغير عن ابتسامة حانية فكأن جمال طفولة الدنيا و برائتها قد اجتمعت في ثناياها ..
كانت سافرة الشعر ترتدي ما يحلو لها من الثياب غير عابئة بما يُبدي أو يُخفي من جمالها .. لأنها لم تجد من أهلها من يأمرها بأن تستر هذا الجمال الأخَّاذ .. حتى إذا التقى خط حياتها مع فارس و طلب منها لِبس الحجاب .. لَبِسَته .. فزادها جمالا إلى جمالها و بهاءا إلى بهائها .. و أشرق وجهها بنور جديد غير نوره الذي اعتاده الناس منها ..
كونها من عائلة فاحشة الثراء جعلها تنشأ نشأة مترفة مُدَلَّلة .. لا تتمنى شيئا إلا و تحقق و لا تأمر بأمر إلا و يُنَفَذ
و لكنها مع ذلك كانت شديدة الحساسية شديدة الرومانسية .. شاعرية حالمة .. تقرأ الشعر و تكتبه .. و تتذوق الأدب و تميل إلى قرائته
و لم تغرها ثروة أسرتها بإهمال دراستها .. بل اجتهدت فيها حتى حصلت على مجوع كلية الهندسة و دخلتها .. و لكون الفن متعمق في نفسها فقد دخلت قسم الهندسة المعمارية إذ أنه أقرب الأقسام إلى طبيعتها التي تعشق الجمال و الألوان ..
حاول الكثيرون .. الكثيرون جدا .. أن يخطبوا ودها .. كما هو متوقع لجمالها الباهر .. و لكنها أبدا ما أعارت أحدا منهم إهتمامها و لم تفكر في أيا منهم كشريك مستقبلها و أحلامها .. بل إنها على حساسيتها لم يتحرك قلبها لأحد أبدا .. حتى كان ذلك اليوم الذي أنقذها فيه فارس ..
فأحبته و هامت به .. و رأت فيه الفارس النبيل الذي أنقذها دون أن يعرفها .. و ما أن اطمئن على سلامتها حتى مضى و انصرف لا يرجوا منها جزاءا و لا شُكُورا .. 
و كذلك فارس .. أحبها لما رأى براءة قلبها و صفائه .. و لا سيما لما أجابت طلبه في أن تلبس الحجاب ..
و كان من الطبيعي أن ترفض أسرة فيروز زواجها بـ فارس للفارق المادي الكبير بينهما .. فكان عليه أن يعمل بجد و اجتهاد و يصل ليله بنهاره حتى تقوم شركته الناشئة على قدميها و تثبت نفسها في سوق الديكور .. فيستطيع أن يوفر لأهل فيروز ما يطمحون إليه ..
و لكن إزدادت الأمور تعقيدا عندما ظهر على الساحة "تامر" ابن صديق والدها و شريكه في تجارته و شركاته و أراد أن يخطبها لنفسه ..
و أمام إصرار فيروز على الزواج من فارس و إصاراها على التمسك بحبها .. لم يجد ذلك الشاب الطائش تامر بُدَّاً من أن يخطفها حتى يظفر بها لنفسه .. و هنا تتدخل عناية القدر و تضع فارس مرة أخرى في طريق فيروز لينقذها من براثن تامر .. الأمر الذي يجعل أسرة فيروز توافق على ارتباطها و إتمام الزواج ..
و عندما ظن الزوجان الحبيبان أن الأمور بدأت تهدأ و أن حياتها ستخل مرحلة الإستقرار .. كانت الحقيقة غير ذلك .. إذ أن تامر قد احترق قلبه على غريمه الذي أخذ منه البنت التي أرادها لنفسه .. فبدأ يكيد له المؤامرات في عمله و شركته ..
و بينما يحاول فارس التصدي لمحاولات تامر في الإيقاع به .. تنكشف أمامه حقيقة مرعبة .. ألا و هي أن والد تامر يعمل أصلا في تجارة المخدرات و قد اتخذ من عمله مع والد فيروز غطاءا لهذه التجارة ..
فيأخذه ذلك إلى حلقة جديدة من الصراع و المشاكل ضد هؤلاء التجار الذين يريدون تدمير شباب بلاده .. و لكن الأسوء كان مازال ينتظره ..
فبينما هو كذلك إذ تفضي به الأحداث إلى كارثة أكبر من هذا كله .. حيث يتضح له في حربه على تجار المخدرات أن الذين ورائهم هم صهاينة اليهود و دولتهم المُغتَصَبة على حدودنا الشرقية .. 
كل هذا و فيروز تقو مع زوجها بدور الزوجة الحنون التي تقف بجوار زوجها في كل ما يُلِم به من مصائب و مشاكل و تحاول جهدها مساعدته بكل ما تقدر عليه .. حتى ييسر الله و ينتصر زوجها في النهاية على كل هذه المواجهات العنيفة التي يتعرض إليها.

ملاذكرد


ستدور أحداث الرواية من خلال قصة الحب بين سندس و عمَّار الذين يعيشان في قريتين متجاورتين على بحر قزوين بين الرَيّ (عاصمة دولة السلاجقة) و همدان (حيث جاء خبر جيش أرمانوس إلى ألب أرسلان) ...
ينتمي كلاهما إلا القبائل التركية التي سكنت هذه المناطق في وقت متقدم .. عمار الشاب ذو العشرين ربيعا أسود الشعر بني العينين كان يتجل بين القرى المجاورة بتجارة باحثا عن رزقه .. و لكنه ما كان يتخيل أن يلتقي ذلك اليوم بـ سندس .. تلكم الشقراء التركية بنت الخامسة عشرة ذات العينين الخضراوين و هي تعمل في أرض أبيها و أعمامها ..
لم يخطئ تلك النظرة الخجولة في عينيها يوم رأها أول مرة .. أَسَرَته بحيائها و أدبها قبل أن تجتاح قلبه بجمالها و عذوبة حديثها .. أحبها .. لا لا .. بل هام بها عشقا .. و هي ؟  

هي كذلك أحبته لمَّا رأت فيه الشاب القوي مفتول العضلات الذي يجوب البلاد سعيا على الرزق الحلال حتى يكف نفسه شر السؤال .. صحيح أنه ليس من أصحاب الإقطاعات و الأراضي مثل أبيها و أعمامها و لكن أي ضير في هذا .. و منذ متى كانت الأراضي و الإقطاعات مقياساً للرجل.

زاد تردد عمار على قرية سندس .. و كان في كل مرة يلتقيها يزداد تعلقه بها حتى أصبح لا يقوى على فراقها .. فكلمها في الزواج .. و لكنها حدثته بعينين دامعتين عن تقاليد قبيلتها الذين لا يزوجون الغرباء .. و عن عصبتها الذين يريدون زوجا في مثل مستواهم المادي.

و بينما هم كذلك إذ اجتاح أرمانوس إمبراطور الروم شبه جزيرة الأناضول في جيش لم يُسمع بمثله مُكَوَّن من مأتين ألفا من الفرسان و الرجَّالة .. و وصل إلى حاضرة المسلمين في ملاذكرد فاستباحها و فعل فيها الأفاعيل .. و وصل الخبر إلى ألب أرسلان سلطان السلاجقة الشاب و هو في همدان عائدا من الشام بعد أن أخضع العُبيدين الفاطميين هناك .. و كان في قلة من الجُند و لم يكن ثمَة وقت ليعود إلى عاصمته في الرَيَّ ليُعَبِّأ جيشه .. فعزم على لقاء الروم بمن معه من الجند و هم خمسة عشر ألفاً .. و نادى في المناطق المجاورة له أن يا خيل الله اركبي حي على الجهاد و تهيَّأ للمسير.

وصلت صيحة السلطان إلى عمَّار .. الذي لم يجد بُداً من تلبيتها و تأدية واجبه تجاه دينه .. فستأذن أمه و قَبَّل قدميها .. و قاوم دمعات سندس التي سالت أنهارا خوفا عليه و ضناً به .. و لكنها الجَنَّة ! .. فودعها و وعدها أن يأتيها برأس قيصر الروم مهرا لها.
انتظم عمَّار في جيش ألب أسلان و ساروا في عشرين ألفا لملاقاة الروم .. و سارت بينهم وقائع رهيبة و معركة عظيمة .. ثبت فيها المسلمون ثباتا عظيما و أظهروا بطولات خارقة .. و تجلت عبقرية السلطان الحربية في خطته التى رسمها على الخريطة و نفذها الجنود بمهارة شديدة .. فانتصر المسلمون انتصارا مؤزَّرا و أسروا إمبراطور الروم أرمانوس.
و كان من خبر عَمَّار أنه هو من أسر أرمانوس و جاء به إلى سلطان المسلمين .. فعظم عنده و قربه و جعله من خاصة أُمرائه.
و عندما عاد عمَّار إلى الديار بعد هذا التغيير الكبير في حياته .. ما كان لأهل سندس أن يرفضوا زواجه منها و قد صار بطلا أميرا في جيش المسلمين المُظَفَّر.