السبت، 26 ديسمبر 2015

تاهت الكلمات




 

طويلة كانت تلك الساعات التي مرت في صمت .. و لكن أيّاً منهما لم يشعر أو يتخيل أن كل هذا الوقت قد مر .. 
.
كانت الأجواء شاعرية بامتياز في ذلك المكان الهادئ على شاطئ النيل و على ارتفاع سبعين مترا من سطحه .. حيث تبدو القاهرة كلها كمدينة هادئة ترقد في سلام و أجواء خريفية معتدلة مع نسمات هواء عليل يُوقِظ الروح و يُنبِّه النفس .. و تتهادى بين الحين و الآخر تلك المراكب الشراعية بين جزائر النيل الخضراء لترسم أجمل لوحة يمكن أن تراها عينك أو تسمع بها أذنك ..
.
و لكنه كان في شُغُل عن هذا كله .. إذ كانت نظرات عينيه المملؤة بـ وَلَهٍ لا حدود له و المصحوبة بخفقات قلبه الذي ينطق باسمها لا تستطيع أن تنحرف عنها أو ترى غيرها .. كان المفترض به أن يتكلم ، أو هكذا تَصَور .. كان يريد أن يخبرها كم يحبها و يقول لها كم هي جميلة و يطلب منها أن تشاركه رحلته فيما بقي من عُمر .. كان قد أمضى شهراً يُعِد الكلمات لهذا اللقاء و يرتب الأفكار و يعيد صياغة الجُمَل .. و لكن كل هذا تلاشى و تبخر في لحظات ساعة وقعت عينه عليها .. 
.
إذ كيف له أن يصف ما تراه عينه فضلا عن أن يعبر عن ما يشعر به قلبه .. كيف يصف عينيها التي تتداخل فيها ثلاثة ألوان .. فلا تدري أهي ذهبية كـ شمس تشرين الدافئة أم خمرية كـ صفحة النيل الهادئة أم سوداء كـ حور عين فاتنة .. أو وجهها الذي تستحيي من نضارته زهورات الخريف المتفتحة .. أو بسمتها التي تحمل من الرقة و الطفولة بـقَدر ما تحمل من الألم ..
.
تاهت كلماته و هو الأديب الأريب و خانته حُروفه و هو الذي ما وضع قلمه يوماً عن عاتقه .. و لم ترحمه الدقائق و الثواني إذ مضت مسرعة معلنة قرب انتهاء لقاء الأحلام .. فحاول جاهدا أن يُلَملِم شتات نفسه و يجمع ما تبعثر من حرفه ثم هو لم يتكلم .. بل كتب ( هكذا أراد الله ) .. إذ لم يسعفه صوته أو لعل خطَّه سيكون أطول عمرا من صوته:
"
لو أُذِنَ للقلم أن يصفَ مثل هذه البسمة .. تُرى هل تسعفه أبجديات البشرية كلها في وصفها ؟ .. أم أن سيعجز مِثلي عن حتى مجرد إيجاد تشبيه واحد لها ..
فإذا ذهب الحديث عن الأثر الذي يمكن أن تُوقِعُه هذه البسمة في القلب فإن هذا و لا شك لا يُتَخَيَّل فضلاً عن أن يوصف ..
تاهت الكلمات… !! "

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق