الأحد، 30 أكتوبر 2016

لماذا أنشأنا مكتبة ميم




منذ أن نزل الوحي أول ما نزل على رسول الله بكلمة اقرأ و أصبحت القراءة هي مفتاح التقدم الحضاري الرئيس بغير منازع يُذكر يرقى لتأثير القراءة في تقدم الأفراد و المجتمعات على الرغم من تنوع و اتساع أدوات التلقي مع التقدم البشري التكنولوجي في مجال الوسائط و الإعلام. 
و لهذا كان لِزاما على أي أمة تريد إرادة جازمة أن تنهض و يكون لها شأنا بين الأمم أن تكون القراءة ركن ركين و أصل أصيل من كل خططتها و برامجها و إلا فأي حديث عن نهضة أو تقدم و رُقي إن هو إلا خبط عشواء.

و على الرغم من هذه الحقيقة الواضحة كما الشمس في رابعة النهار و على الرغم من أننا نحن العرب هم الأمة التي نزلت فيهم آية اقرأ .. فإن حالنا فيما يتعلق بالقراءة مخزي إلى الحد الذي يستحيي المرء من أن يفكر فيه فضلا عن أن يتكلم به .. فبحسب صحيفة الخليج أون لاين فإن " تقرير التنمية البشرية عام 2011، الصادر عن "مؤسسة الفكر العربي" يشير إلى أن العربي يقرأ بمعدل 6 دقائق سنوياً، بينما يقرأ الأوروبي بمعدّل 200 ساعة سنوياً، وهذا يوضح لنا مدى الكارثة الثقافية والعلمية التي يعيشها المواطن العربي، مقارنة بمواطنين في الدول الأوروبية، كما يؤكد وجود هوة ثقافية شاسعة بين ثقافة المواطن العربي وثقافة المواطن الأوروبي. " ..

فإن تحدثنا عن الكمية التي يقرأها المواطن العربي مقارنة بالدول الأخرى على مستوى العالم كان الوضع أكثر مأساوية "متوسط معدل القراءة في العالم العربي لا يتعدى ربع صفحة للفرد سنوياً، وذلك بحسب نتائج خلصت إليها لجنة تتابع شؤون النشر، تابعة للمجلس الأعلى للثقافة في مصر.  ويعتبر هذا المعدل منخفضاً ومتراجعاً عن السنوات الماضية، ففي عام 2003، وبحسب تقرير التنمية البشرية الصادر عن اليونسكو، كان كل 80 عربياً يقرأ كتاباً واحداً، بينما كان المواطن الأوروبي يقرأ 35 كتاباً في السنة، والمواطن الإسرائيلي يقرأ 40 كتاباً "  كما جاء في نفس التقرير

و يُرجِع كثير من المحلليلن لهذا الموقف لانشغال الشباب العربي بالمُلهيات التي تشغلهم عن القراءة كالتليفزيون و الإنترنت و مواقع التواصل الإجتماعي. كما أن لغياب ثقافة القراءة سواء في البيت أو المدرسة أو المؤسسات الاجتماعية أثر كبير في هذه الحال. و كذلك عدم توفر كثير من الكتب العربية في صورة إلكترونية تتناسب مع متطلبات التكنولوجيا التي صار شباب العرب أسيرا له كما غيره من شباب العالم.

و كـرجل نشأ في أكناف الكتب على اختلاف أنواعها و موضوعاتها أعرف يقينا كيف يمكن أن تُشكل القراءة - ولاسيما المنتظمة المُوَجَّهة – عقلية القارىء فتؤثر في تفكير و تصوراته و معتقداته .. و من ثم في سلوكه و تصرفاته و أفعاله.

 و من جهة أخرى و لدواعي السفر المستمر فإني على مدى العشر سنوات الأخيرة قرأت عدد كبير من الكتب الإلكترونية و تعاملت مع عدد كبير من المواقع التي توفر هذه الكتب العربية في صورة بي دي إف (PDF) .. و من واقع هذه الخبرة أستطيع أن أقول أن المواقع التي توفر الكتب الإلكترونية على الإنترنت نوعان:

إما مواقع تفعل ذلك حِسبة  لله كـ المكتبة الوقفية و مكتبة صيد الفوائد, و أخرى تفعله بغرض التكسب من الإعلانات ..


أما النوع الأول فهو يهتم فقط بنوع واحد من الكتب و هو الكتب في المجال الشرعي من فقه و تفسير و حديث و ما يتعلق به, و لا يتعرض من قريب أو بعيد لكثير من الفروع الأخرى للكتب التي يحتاج إليها القارىء العربي.

و أما النوع الثاني فكان همُّه الأولى التربح بزيادة عدد الزوار من جهة و زيادة الإعلانات من جهة أخرى .. فأدى ذلك إلى عدم وجود استراتيجية سلمية في اختيار الكتب المعروضة بحيث أصبحت تضم كل الأفكار و المعتقدات سليمة كانت أو سقيمة لجمع أكبر قدر ممكن من الناس, كما أدى إلى أن صارت عملية التحميل مملة بسبب كثرة إعادة التوجيه لزيادة الإعلانات.


فإن تحدثنا عن المواقع التي تعطي ترشيحات لأفضل ما يمكن أن يقرأه القارىء العربي من الكتب العربية سواء أكانت القديمة أو المنشورة حديثا فإنك لا تكاد تجد شيء يُذكَر في هذا المجال .. بل الأسوء أنني وجدت بعض المواقع العربية التي تعطي ترشيحات لكتب مكتوبة بلغات أجنبية و غير مترجمة .. كأن الأصل في القارىء العربي أن يقرأ بغير لغته .. و قد اتفق العلماء على اختلاف لغاتهم و توجهاتهم أنه لا أمل لأُمَّة أن تبدأ في المشاركة في الإنتاج الحضاري حتى تكون دراستها لكافة العلوم بلغتها الأم كما حصل مع العرب أنفسهم يوم ترجموا موروثات الأمم التي سبقتهم و كما حصل مع الغرب يوم ترجموا ما أنتجه العرب في كافة العلوم.


و لهذا جاءت الفكرة في إنشاء مكتبة تستدرك العيوب و تسد الثغرات .. بحيث تتنوع الخدمات التي تؤديها للقارىء من توفير أفضل الكتب في صورة بي دي إف, و تقديم تعليقات و مراجعات مفيدة للكتب, مع نشر ترشيحات لأفضل الكتب العربية في مختلف المجالات بصورة دورية, بالإضافة إلى توفير قاعدة بيانات تُمكن المستخدم من البحث عن الكتاب الذي يريده إما بموضوعه أو اسم كاتبه أو عنوانه أو طبعته فنكون بذلك قدمنا أول فهرس عربي للكتب العربية .. 

هذه هي مكتبة ميم ..
قريبا إن شاء الله.

الثلاثاء، 23 أغسطس 2016

عن القراءة .. عندما يحدد الكتاب مسار حياتك




عندما كنت صغيرا غرست فيَّ أمي رحمها الله حب القراءة منذ نعومة أظفاري .. فكانت تأتينا أنا و إخوتي بالكتب من كل حدب وصوب ومن شكل ولون .. مجلات ماجد وسمير .. ميكي وبطوط وأحيانا فلاش .. وعندما بدأ مشروع مكتبة الأسرة غمرتنا بألون من الكتب في جميع المجالات أدب وشعر .. روايات وأمثال .. وحتى في الفلك والحساب .. كنت أقرأ البعض وأترك البعض وأمر مرورا سريعا على البعض .. ولكن ثَمَّة شيء ترسخ في أعماق وجداني .. هو أن القراءة جزء أصيل لا يتجزء من شخصيتي وأن الكتاب صاحب وفيٌّ ليس كمثله صاحب ..
ولأنني عادة أعيش الأحداث التي أقرأها وأتقمص الشخصيات التي أراها في الكتب .. فقد ارتبط مسار حياتي ارتباطا وثيقا ببعض الكتب كانت بمثابة النقاط الحرجة في منحنى الدالة ..
عندما بلغت نهاية المرحلة الإعدادية بدأت في قراءة رجل المستحيل فانطبعت بداخلي شخصية أدهم صبري بحيث صارت الثقة بالنفس والسخرية من أعظم التحديات كائنا ما كانت صفة لا تكاد تخفى على ذي عينين ..
ولما وصلت للثانوية العامة قرأت رواية وا إسلاماه لـ علي أحمد باكثير .. قرأتها فصلا فصلا ... وكأنما أفرغت نفسي فيها ... فعشت مكان قطز كل أحداثها لحظة بلحظة .. منذ أن كان طفلا صغيرا يخشى على حياته وحياة إبنة عمه جهاد .. ثم مراهقا شابا عبدا عند أحد وجهاء دمشق يتعرض لمضايقات ابن سيده له ولابنة عمه و حبيبة قلبه .. ثم رجلا جنديا من مماليك عز الدين أيبك في القاهرة فـ وزيرا له فـ ملكاً على مصر آخر معقل للإسلام في مواجهة إكتساح التتار .. رأيت كيف جيَّش الجيوش .. وعالج أمراء المماليك المتقاعسين عن الجهاد أشد المعالجة .. و وصل الليل بالنهار حتى أعد العُدة وخرج بالجيش .. وجاءت ساعة المعركة .. صوَّر باكثير المعركة تصويرا تكاد معه تسمع صليل السيوف وصهيل الخيل وآهات الجنود تحت ضربات السيوف وطعنات الرماح .. فغيرت هذه الرواية كل غاياتي  طموحاتي وبعد أن كان كل همي أن أرفع كأس العالم مع علم مصر أصبح همي أن أرفع راية الإسلام فوق أسوار القدس .. وبعد أن كانت الكرة هي كل حياتي أصبح الجهاد هو حلم حياتي ..
وجاءت مرحلة الجامعة وما تلاها من عمل و وظيفة ونهم القراءة لا يفارقني ولكنه انصب ساعتئذ على علوم الفيزياء والرياضايات والموجات .. ثم التخصص في علوم الشبكات .. حتى تمكنت بفضل الله من العمل في أكبر الشركات والسفر للعمل في مختلف القارات من اليابان شرقا حتى أيرلندا غربا مرورا بالشرق الأوسط وأوروبا ..
ثم استقرت الوظيفة فعدتُ مرة أخرى لصديقي الذي خَلَّيتُه بضع سنين .. وكان موعدي هذه المرة مع رسالة في الطريق إلى ثقافتنا لـلأستاذ محمود شاكر .. أبهرني أسلوبه و جزالة لفظه و هالني استحضاره الفذ للتاريخ واستقراء العِبر منه والعظات وربطها بواقعنا الذي آلت إليه أمتنا .. فكان أن عزمت على دراسة التاريخ كله لأفهم الأمر على حقيقته كما فهمه هو ..
وبمصادفة لطيفة بسبب تشابه الأسماء بين أديبنا الأريب أبي فهر محمود محمد شاكر أخي المُحدث أحمد شارك وبين المؤرخ السوري أبو أسامة محمود شاكر شاكر .. قادني القدر لأن أقرأ كتاب تاريخ الإسلام لهذا الأخير .. فعلمتُ تاريخ الدنيا من لدن آدم حتى سقوط دولة بني عثمان .. لبست الدرع و خضتُ الحروب بجانب القادة العسكرين و قعدتُ على كرسي المُلك بجانب الخلفاء و السلاطين .. بكيتُ الدم عندما سقطتْ بغداد ورقصتُ طربا حين فُتِحَت القسطنطينية .. انفتحت لي علوم وأبواب ما كنت أتخيلها من قبل وتغيَّرت جذريا وجهة نظري للأحداث والأمور من حولنا أيما تغيير لاسيما وقد كانت المنطقة بأكملها ساعتها تعج بالثورات والاضطرابات ..
أراك تسأل .. وما شأني بكل هذا وكيف أستفيد من قصتك مع الكتاب .. فاسمع الجواب ؟؟
ألا إن السيل اجتماع النقط وإنما الجبال من الحصى ..
كذلك أنا و أنت .. إنما نحن آحادا أفرادا في أمة كبيرة .. مترامية الأطرف عظيمة الموارد والخيرات .. ولكنها وياللأسف خيرها ضائع ومواردها منهوبة من أعدائها .. و السبب الأعظم في ذلك هو أنا وأنت بما ساهمنا في إضعافها بقلة علمنا وضحالة اطلاعنا حتى راجت علينا خطط ومؤامرات أعدائنا .. ولو كنا على القدر الكافي من العلم و الثقافة لأعددنا للأمر عدته ولقابلنا كيدهم بكيد هو أكبر منه وما استطاعوا أبدا أن ينتصروا علينا عسكريا وقد تقدمنا عليهم فكريا ..
إن مُعدَّل قراءة الفرد العربي ربع صفحة سنويا .. بينما يبلغ مُعدَّل قراءة الفرد في أمريكا أحد عشر كتابا سنويا .. فقل لي بربك هل ثمَّة أدنى احتمال أن نتفوق على هؤلاء القوم في أي مجال والفارق بيننا و بينهم في القراءة ما سمعت ؟!!
تخيل معي تلك الأمة وقد خرج منها جيل مُتأثر بـالحسن بن الهيثم والبيروني في العلوم الحياتية .. وبالشافعي وأبي حنيفة في العلوم الشرعية .. وخالد بن الوليد وصلاح الدين في الميادين العسكرية .. وبأبي بكر وعمر في العدل بين الرعية .. فأي قوة قادرة على دحر جيل هذا منهجه
تخيل أمة قرأ شبابها تاريخ دولة السلاجقة ومدارسهم النِظامية .. نسبة لـ نظام الملك الوزير السلجوقي .. التي حاربت الفكر الشيعي الباطني الخبيث وأخرجت الأمة من ضلالت الجهل وحمأة التعصب الفكري ومهدت الطريق لدولة آل زنكي ليوحدها من جديد حتى يستطيع صلاح الدين أن يقودها لتحرير القدس من الصليبين ..
تخيل جيل يعرف أن المدافع التي ضربت أسوار القسطنطينة كانت صناعة إسلامية مائة بالمائة و كذلك الأسطول الذي حاصرها .. تخيل نفسك و أنت تعرف أن أوروبا إنما عرفت الورق واستوردته من الأندلس لأن العلم و القراءة كانت منتشرة فيهم بينما أوروبا غارقة في ظلمات الجهل كيف يمكن أن تكون همتك لتعود بالأمور إلى نصابها ؟!!
والحاصل أن هذا المقال إنما هو صرخة لأمة إقرأ أن تقرأ.

الجمعة، 29 يناير 2016

الفارس النبيل 4





-         اسمعني جيدا يا محمد , قال الشيخ بصوته الهادئ الرخيم
إن رسول الله عليه السلام كان رجلا فردا يوم أرسله الله بالإسلام , فمات مات بعد بضع و عشرين سنة حتى أقام دولة جمعت شتات العرب في جزيرتهم و حاربت الروم في عدة مواقع .. و كذلك محمد بن على بن عبدالله بن العباس كان رجلا فردا يوم أرسى قواعد الدعوة العباسية التي أسقطت حكم الأمويين في عضون سنوات معدودات .. و كان عبدالرحمن بن معاوية بن هشام بن عبدالملك بن مروان رجلا فردا يوم أَمَّ الأندلس فأقام فيها دولة يتفاخر بها الزمان.

فلا تخشى كونك فردا أو أن ليس أتباعا أو أنصارا .. فإن للأمر خُطة واضحة المعالم راسية الأركان يراها من عقل التاريخ بقلبه و تشبع منه عقله .. إن أنت وَعِيتَ هذ الخطة و تتبعث آثارها تم  لك بإذن الله مرادك و قرت عينك بنصب رايات التوحيد الخالص في قلب قاهرة المعز.

و أول علامة في هذه الخطة أن تؤمن أنت بنفسك و بالحق الذي معك , و بأنك قادر بإذن الله على الوصول للغاية التي تريد و الهدف الذي تقصد .. فإن لم تصله بنفسك فستكون بذلت وسعك في إرساء معالم الطريق و تثبيت أركان المنهج حتى إذا جاء من بعدك لم يبدأ من الصفر , بل يكمل ما بدأت و يتمم ما مهدت , و أنت في ذلك كله تعرف أن طريقك قد خضبته دماء ذاكية من قبلك حتى يصل إليك ذلك الحق غضا طريا كما نزل من السماء فتوطن نفسك على بذل كل غال و نفيس في سبيل هذه الدعوة.

فإن أنت آمنت بذلك بدأت تتحرك بإيمانك لتدعو من حولك للإيمان بالحق الذي معك , و أنت في ذلك لا تهتم للعدد و لا تلتفت إليه أبدا , بل إن مرادك الأوحد هم أولئك الرجال الأفذاذ الذي يستطيعون حَملَ تلك الأمانة و الاضطلاع بتلك التبعة , مسترخصين كل غالي و مستسهلين كل صعب في سبيلها .. هؤلاء هم طليعة جيشك و حملة لوائك و الدعاة لدعوتك .. اختارهم بعناية و اصطنعهم على عينك .. فإن وجدت من هذه صفته فلا تبخل عليه بوقت و لا جهد و لا مال , فإن كل استثمار ستضعه فيهم ستجنى ثمرته أضعافا مضاعفة فيما بعد حينما يحين وقت الحصاد.

نظر الشيخ أبو بكر إلى عيني تلميذه فوجدها متألقة لامعة كأنها تعكس بريق قلبه الصافي و توقد ذهنه ..
-         كأنك تستمع بالكلام يا محمد
-         جدا يا شيخ , كيف استطعت أن تحصل كل هذه الحكمة و الدراية , هل مثل هذا يوجد في بطون الكتب أم أنه فتح يمن الله به على من يشاء ؟
تبسم النابلسي بسمة عريضة حتى بدت أسنانه بيضاء متألقة لم تؤثر فيها تلك السنين الطِوال التي يحملها الرجل على كتفيه و قال: العلم موجود في بطون الكتب يا ولد يستطيعه كل قارىء , أما الفهم فهذا أمر آخر .. فإنك تحتاج لعام أو عامين لتدرس العلم , و لكنك تحتاج للعمر كله كي تتعلم.
تململ محمد في جِلسته محاولا استيعاب كلمات أستاذه , ثم بادره بقوله: و الآن , إن أنا آمنت بدعوة الحق و صار لي أعوانا عليها لم يبق لنا إلا أن نذهب للباطل في عقر داره و نثور عليه حتى نسقطه , أليس كذلك يا شيخ ؟