-
اسمعني جيدا يا محمد ,
قال الشيخ بصوته الهادئ الرخيم
إن
رسول الله عليه السلام كان رجلا فردا يوم أرسله الله بالإسلام , فمات مات بعد بضع
و عشرين سنة حتى أقام دولة جمعت شتات العرب في جزيرتهم و حاربت الروم في عدة مواقع
.. و كذلك محمد بن على بن عبدالله بن العباس كان رجلا فردا يوم أرسى قواعد الدعوة
العباسية التي أسقطت حكم الأمويين في عضون سنوات معدودات .. و كان عبدالرحمن بن
معاوية بن هشام بن عبدالملك بن مروان رجلا فردا يوم أَمَّ الأندلس فأقام فيها دولة
يتفاخر بها الزمان.
فلا
تخشى كونك فردا أو أن ليس أتباعا أو أنصارا .. فإن للأمر خُطة واضحة المعالم راسية
الأركان يراها من عقل التاريخ بقلبه و تشبع منه عقله .. إن أنت وَعِيتَ هذ الخطة و
تتبعث آثارها تم لك بإذن الله مرادك و قرت
عينك بنصب رايات التوحيد الخالص في قلب قاهرة المعز.
و
أول علامة في هذه الخطة أن تؤمن أنت بنفسك و بالحق الذي معك , و بأنك قادر بإذن
الله على الوصول للغاية التي تريد و الهدف الذي تقصد .. فإن لم تصله بنفسك فستكون
بذلت وسعك في إرساء معالم الطريق و تثبيت أركان المنهج حتى إذا جاء من بعدك لم
يبدأ من الصفر , بل يكمل ما بدأت و يتمم ما مهدت , و أنت في ذلك كله تعرف أن طريقك
قد خضبته دماء ذاكية من قبلك حتى يصل إليك ذلك الحق غضا طريا كما نزل من السماء فتوطن
نفسك على بذل كل غال و نفيس في سبيل هذه الدعوة.
فإن
أنت آمنت بذلك بدأت تتحرك بإيمانك لتدعو من حولك للإيمان بالحق الذي معك , و أنت
في ذلك لا تهتم للعدد و لا تلتفت إليه أبدا , بل إن مرادك الأوحد هم أولئك الرجال
الأفذاذ الذي يستطيعون حَملَ تلك الأمانة و الاضطلاع بتلك التبعة , مسترخصين كل
غالي و مستسهلين كل صعب في سبيلها .. هؤلاء هم طليعة جيشك و حملة لوائك و الدعاة
لدعوتك .. اختارهم بعناية و اصطنعهم على عينك .. فإن وجدت من هذه صفته فلا تبخل
عليه بوقت و لا جهد و لا مال , فإن كل استثمار ستضعه فيهم ستجنى ثمرته أضعافا
مضاعفة فيما بعد حينما يحين وقت الحصاد.
نظر
الشيخ أبو بكر إلى عيني تلميذه فوجدها متألقة لامعة كأنها تعكس بريق قلبه الصافي و
توقد ذهنه ..
-
كأنك تستمع بالكلام يا
محمد
-
جدا يا شيخ , كيف
استطعت أن تحصل كل هذه الحكمة و الدراية , هل مثل هذا يوجد في بطون الكتب أم أنه
فتح يمن الله به على من يشاء ؟
تبسم
النابلسي بسمة عريضة حتى بدت أسنانه بيضاء متألقة لم تؤثر فيها تلك السنين الطِوال
التي يحملها الرجل على كتفيه و قال: العلم موجود في بطون الكتب يا ولد يستطيعه كل
قارىء , أما الفهم فهذا أمر آخر .. فإنك تحتاج لعام أو عامين لتدرس العلم , و لكنك
تحتاج للعمر كله كي تتعلم.
تململ
محمد في جِلسته محاولا استيعاب كلمات أستاذه , ثم بادره بقوله: و الآن , إن أنا
آمنت بدعوة الحق و صار لي أعوانا عليها لم يبق لنا إلا أن نذهب للباطل في عقر داره
و نثور عليه حتى نسقطه , أليس كذلك يا شيخ ؟

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق