عندما كنت صغيرا غرست فيَّ
أمي رحمها الله حب القراءة منذ نعومة أظفاري .. فكانت تأتينا أنا و إخوتي بالكتب من
كل حدب وصوب ومن شكل ولون .. مجلات ماجد وسمير .. ميكي وبطوط وأحيانا فلاش .. وعندما
بدأ مشروع مكتبة الأسرة غمرتنا بألون من الكتب في جميع المجالات أدب وشعر .. روايات
وأمثال .. وحتى في الفلك والحساب .. كنت أقرأ البعض وأترك البعض وأمر مرورا سريعا على
البعض .. ولكن ثَمَّة شيء ترسخ في أعماق وجداني .. هو أن القراءة جزء أصيل لا يتجزء
من شخصيتي وأن الكتاب صاحب وفيٌّ ليس كمثله صاحب ..
ولأنني عادة أعيش الأحداث
التي أقرأها وأتقمص الشخصيات التي أراها في الكتب .. فقد ارتبط مسار حياتي ارتباطا
وثيقا ببعض الكتب كانت بمثابة النقاط الحرجة في منحنى الدالة ..
عندما بلغت نهاية المرحلة
الإعدادية بدأت في قراءة رجل المستحيل فانطبعت بداخلي شخصية أدهم صبري بحيث صارت الثقة
بالنفس والسخرية من أعظم التحديات كائنا ما كانت صفة لا تكاد تخفى على ذي عينين ..
ولما وصلت للثانوية العامة
قرأت رواية وا إسلاماه لـ علي أحمد باكثير .. قرأتها فصلا فصلا ... وكأنما أفرغت نفسي
فيها ... فعشت مكان قطز كل أحداثها لحظة بلحظة .. منذ أن كان طفلا صغيرا يخشى على حياته
وحياة إبنة عمه جهاد .. ثم مراهقا شابا عبدا عند أحد وجهاء دمشق يتعرض لمضايقات ابن
سيده له ولابنة عمه و حبيبة قلبه .. ثم رجلا جنديا من مماليك عز الدين أيبك في القاهرة
فـ وزيرا له فـ ملكاً على مصر آخر معقل للإسلام في مواجهة إكتساح التتار .. رأيت كيف
جيَّش الجيوش .. وعالج أمراء المماليك المتقاعسين عن الجهاد أشد المعالجة .. و وصل
الليل بالنهار حتى أعد العُدة وخرج بالجيش .. وجاءت ساعة المعركة .. صوَّر باكثير المعركة
تصويرا تكاد معه تسمع صليل السيوف وصهيل الخيل وآهات الجنود تحت ضربات السيوف وطعنات
الرماح .. فغيرت هذه الرواية كل غاياتي طموحاتي
وبعد أن كان كل همي أن أرفع كأس العالم مع علم مصر أصبح همي أن أرفع راية الإسلام فوق
أسوار القدس .. وبعد أن كانت الكرة هي كل حياتي أصبح الجهاد هو حلم حياتي ..
وجاءت مرحلة الجامعة وما
تلاها من عمل و وظيفة ونهم القراءة لا يفارقني ولكنه انصب ساعتئذ على علوم الفيزياء
والرياضايات والموجات .. ثم التخصص في علوم الشبكات .. حتى تمكنت بفضل الله من العمل
في أكبر الشركات والسفر للعمل في مختلف القارات من اليابان شرقا حتى أيرلندا غربا مرورا
بالشرق الأوسط وأوروبا ..
ثم استقرت الوظيفة فعدتُ
مرة أخرى لصديقي الذي خَلَّيتُه بضع سنين .. وكان موعدي هذه المرة مع رسالة في الطريق
إلى ثقافتنا لـلأستاذ محمود شاكر .. أبهرني أسلوبه و جزالة لفظه و هالني استحضاره الفذ
للتاريخ واستقراء العِبر منه والعظات وربطها بواقعنا الذي آلت إليه أمتنا .. فكان أن
عزمت على دراسة التاريخ كله لأفهم الأمر على حقيقته كما فهمه هو ..
وبمصادفة لطيفة بسبب تشابه
الأسماء بين أديبنا الأريب أبي فهر محمود محمد شاكر أخي المُحدث أحمد شارك وبين المؤرخ
السوري أبو أسامة محمود شاكر شاكر .. قادني القدر لأن أقرأ كتاب تاريخ الإسلام لهذا
الأخير .. فعلمتُ تاريخ الدنيا من لدن آدم حتى سقوط دولة بني عثمان .. لبست الدرع و
خضتُ الحروب بجانب القادة العسكرين و قعدتُ على كرسي المُلك بجانب الخلفاء و السلاطين
.. بكيتُ الدم عندما سقطتْ بغداد ورقصتُ طربا حين فُتِحَت القسطنطينية .. انفتحت لي
علوم وأبواب ما كنت أتخيلها من قبل وتغيَّرت جذريا وجهة نظري للأحداث والأمور من حولنا
أيما تغيير لاسيما وقد كانت المنطقة بأكملها ساعتها تعج بالثورات والاضطرابات ..
أراك تسأل .. وما شأني
بكل هذا وكيف أستفيد من قصتك مع الكتاب .. فاسمع الجواب ؟؟
ألا إن السيل اجتماع النقط
وإنما الجبال من الحصى ..
كذلك أنا و أنت .. إنما
نحن آحادا أفرادا في أمة كبيرة .. مترامية الأطرف عظيمة الموارد والخيرات .. ولكنها
وياللأسف خيرها ضائع ومواردها منهوبة من أعدائها .. و السبب الأعظم في ذلك هو أنا وأنت
بما ساهمنا في إضعافها بقلة علمنا وضحالة اطلاعنا حتى راجت علينا خطط ومؤامرات أعدائنا
.. ولو كنا على القدر الكافي من العلم و الثقافة لأعددنا للأمر عدته ولقابلنا كيدهم
بكيد هو أكبر منه وما استطاعوا أبدا أن ينتصروا علينا عسكريا وقد تقدمنا عليهم فكريا
..
إن مُعدَّل قراءة الفرد
العربي ربع صفحة سنويا .. بينما يبلغ مُعدَّل قراءة الفرد في أمريكا أحد عشر كتابا
سنويا .. فقل لي بربك هل ثمَّة أدنى احتمال أن نتفوق على هؤلاء القوم في أي مجال والفارق
بيننا و بينهم في القراءة ما سمعت ؟!!
تخيل معي تلك الأمة وقد
خرج منها جيل مُتأثر بـالحسن بن الهيثم والبيروني في العلوم الحياتية .. وبالشافعي
وأبي حنيفة في العلوم الشرعية .. وخالد بن الوليد وصلاح الدين في الميادين العسكرية
.. وبأبي بكر وعمر في العدل بين الرعية .. فأي قوة قادرة على دحر جيل هذا منهجه
تخيل أمة قرأ شبابها تاريخ
دولة السلاجقة ومدارسهم النِظامية .. نسبة لـ نظام الملك الوزير السلجوقي .. التي حاربت
الفكر الشيعي الباطني الخبيث وأخرجت الأمة من ضلالت الجهل وحمأة التعصب الفكري ومهدت
الطريق لدولة آل زنكي ليوحدها من جديد حتى يستطيع صلاح الدين أن يقودها لتحرير القدس
من الصليبين ..
تخيل جيل يعرف أن المدافع
التي ضربت أسوار القسطنطينة كانت صناعة إسلامية مائة بالمائة و كذلك الأسطول الذي حاصرها
.. تخيل نفسك و أنت تعرف أن أوروبا إنما عرفت الورق واستوردته من الأندلس لأن العلم
و القراءة كانت منتشرة فيهم بينما أوروبا غارقة في ظلمات الجهل كيف يمكن أن تكون همتك
لتعود بالأمور إلى نصابها ؟!!
والحاصل أن هذا المقال
إنما هو صرخة لأمة إقرأ أن تقرأ.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق