كل
ما جاء في هذه الرواية من نسج خيال المؤلف إذ قد يتعارض و بعض سياقات التاريخ
------------------
قوي
الشخصيةِ كان .. و لكنه كان و يا للعجب
رقيق القلب مرهف الحِسِ.
قوي
البِنيَةِ عريض المِنكَبين .. و لكن ليس كعرض أحلامه التي بلغت المشرقين و
المغربين.
يُدمِعُه
موقف رقراق .. و تُرضيه كلمة حانية .. و لا يغضب إلا عندما تُنتَهك الحُرُمات.
رخيم
الصوت , هادئ الطبع .. و لكنه إن غَضِبَ احمَر وجهه و صار كمُسَعِّر حرب يقول
صبَّحكم و مسَّاكم.
فارس
نبيل , بعلو همته و سُمُو غايته و كرم أخلاقه .. في زمان كسر فيه الفرسان
المزعومين أسيافهم و نزلوا عن صهوة جيادهم.
على
الرغم من سِنِيِ عُمُره التي بالكاد جاوزت الثلاثين , إلا أنه كان مازال يحمل تلك
الملامح الطفولية التي لم تستطع تلك الشعرات البيضاء هنا و هناك أن تنال منها و من
تَوَقُّد الإصرار في عينيه.
هكذا
كان محمد بن الحسن أو سيف الدين كما يحلو له أن يدعو نفسه , نشأ و ترعع في
الإسكندرية حيث كان أبوه تاجرا كبيرا من وجهاء المدينة .. قد حرص أبوه منذ صغره
على تحفيظه القرآن و إرساله للعلماء السنة حتى يتعلم على أيديهم .. و قد أبدى
الولد منذ صغره نبوغا و ذكاءا ملفتا جعله الأقرب إلى قلب أبيه من بين إخوته التسعة
.. و هو مع ذلك فارسا لا يشق له غبار قد تعلم الفروسية و الكرة و الصولجان , و برع
في المبارة و الرمي و النِّشاب و هو بعد لم يكمل الخامسة عشر من عمره.
فلما
قرر والده الحسن بن علي البزاز (بائع الأقمشة و الثياب) أن يرتحل إلى القاهرة
لتوسيع تجارته .. لم يرق هذا محمدا إذ كان حبه للبحر و ولعه به لا يدانيه حب , على
عكس إخوته الذين تطلعوا لرؤية ما يتحدث الناس عنه من جميل العمارة و البنيان في
القاهرة
و
لقد كان كثيرا ما يجلس على شاطئ البحر بعد انتهاء درسه يتأمله و كأنما يريد أن
يسبر أغواره و أن يستنطقه مكنون ما يكتم بداخله , حتى غدا تأمله في البحر جزءا
أصيلا لا يكاد يتجزَّء من شخصيته .. فلما نزل إلى القاهرة هالهُ منظر النيل و سرعة
جريانة و عِظم خصبه و وجد فيه بعض السلوى عما فقد من بحر الإسكندرية الكبير
المتلاطم
على
أن النيل لم يكن أعظم شيء حصل عليه محمد في القاهرة .. و ذلك أنه التقى فيها قدرا
بالشيخ أبي بكر النابلسي العالم العامل المحدث الذي كان قد فر من وجه العبيدين لما
نزلوا نابلس من أرض فلسطين و أظهروا فيه بدعة تشيعهم و غيروا معالم أهل السنة هناك
فأنكر عليهم أيما أنكار , و لما أرسلوا في أثره قرر أنه لا مكان أأمن يختفي فيه من
عقر دارهم فارتحل سرا إلى القاهرة ..
و
ظل محمد يتردد على شيخه النابلسي سرا ينهل من علمه و يتعلم من سَمته .. و كلما
ازداد علما كلما تحسَّر قلبه على الحال الذي آلت إليه البلاد على أيدي بني عبيد
الذين غيَّروا المِلة و طمسوا معالم الدين .. حتى جاء ذلك اليوم الذي سأل فيه شيخه
مباشرة كيف يمكن للحق أن ينتصر و قد علا الباطل كل هذا العلو و انتفش ..
و
كان الشيخ أبو بكر يتوسَّم فيه خيرا و يؤمَّل أن يأتي الخير على يديه بعدما عرف من
جميل خصاله و كريم شمائله , و قد كان قد رسم خطة الخلاص من شرور العبيدين الجاثمين
على صدور أهل الإسلام في مصر و بلاد المغرب و لكنه كان مايزال يبحث عن رجل أهل ثقة
يحمل عبأ هذه الأمانة ..
إعلم
يا محمد أن الأمر جد لا هزل فيه البته , و أن هذا الدين ما وصلنا إلا على دروب من
جماجم المجاهدين و أنهار من دمائهم , و أنه دون ما سألت عنه أن تَعضَّك سيوف أهل
الباطل حتى تأخذ من تحب ممن حولك أو حتى تأخذ روحك أنت .. و لن ينتهي بك الأمر
أبدا عند الصدع بالحق في وجوه أولئك الظلمة المتجبرين و فقط , فإن من سنن الله في
خلقه أن دولة الباطل لا تسقط أبدا بـ " حناجر " أهل الحق مهما علت
أصواتهم في الصدع بالحق ، و أن دولة الحق لن تقوم أبدا بيد عَزلى من كل قوة تحمي
هذا الحق .. و لقد رأيتُني و أنا أصدع بالحق في وجوههم منذ خمسين سنة فما فَتَّ
ذلك لهم من عضد و لا أوهن لهم من ساعد .. و لولا أني هربت منهم لأنشر الحق الذي
معي في عُقر دارهم ما كنت اليوم لتراني أو تسمع صوتي
أطرق
محمد و قد أحس أن أمانة عظيمة بعظمة هذه الأمة قد أُلقِيت على عاتقه يوم ألقى عليه
شيخه هذه الكلمات و تداعت أمام ناظريه صور الكثير ممن يحبهم .. و تخيل ما يمكن أن
يكون عليه مستقبله و القابل من أيامه .. و تصاعدت في رأسه تلك الأسئلة التي ظلَّت
تتردد دون إجابة واضحة , هل أنا حقا أهل لحمل هذه الأمانة , هل يمكن أن يكون الله
عزوجل قد كتب على يدي إنقاذ هذه الأمة , هل سيكتب لي حقا أن أرى دولة الحق و قد
انتصرت على دولة الباطل , هل الحق الذي معي المجرد حاليا من كل قوة قادر على هزيمة
الباطل في أوج قوته و عنفوانه ..
انتبه
فجأة على صوت الشيخ النابلسي يقول و قد أحس بما يدور بُخلده: إعلم يا محمد أننا
دعاة إلى الله عزوجل , و الدعاة أجراء عند الله أينما و حيثما و كيفما أرادهم أن
يعملوا عملوا , و قبضوا الأجر المعلوم ! و ليس لهم و لا عليهم أن تتجه الدعوة إلى
أي مصير , فذلك شأن صاحب الدعوة لا شأن الأجير .. و هم يقبضون الدفعة الأولى
طمأنينة في القلب , و رفعة في الشعور , و جمال في التصور و تحررا من الخوف و القلق
في كل الأحوال .. و هم يقبضون الدفعة الثانية ثناءا في الملأ الأعلى و ذكرا و
كرامة , و هم بعد في هذه الأرض الصغيرة .. ثم هم يقبضون الدفعة الكبرى في الآخرة
حسابا يسيرا و نعيما كبيرا .. و مع كل دفعة ما هو أكبر منها جميعا , رضوان الله ,
و أنهم مختارون ليكونوا أداة لقدره و ستارا لقدرته يفعل بهم في الأرض ما يشاء.
نزلت
الكلمات بردا و سلما عليه و كأن شيخه قد أحس بما دار في رأسه فأحب أن يطمأنه و
يثبت فؤاده و لم يكن يتخيل ساعتها أن هذه الكلمات ستكون أعظم مثبت له و لأصحابه
بعد ذلك بسنين .. أكمل النابلسي قائلا: إن المؤمن الذي يدعو لإقامة دولة الحق في
أرض الله لتحكم بشرع الله أعلى من الباطل مهما بلغت قوته , و ليكن للضلال سلطانه ,
و ليكن له هيله و هيلمانه , و لتكن معه جموعه و جماهيره .. إن هذا لا يغير من الحق
شيئا , إنه على الحق و ليس بعد الحق إلا الضلال , و لن يختار مؤمن الضلال على الحق
-و هو مؤمن- و لن يعدل بالحق الضلال كائنة ما كانت الملابسات و الأحوال ..
***