الجمعة، 29 يناير 2016

الفارس النبيل 4





-         اسمعني جيدا يا محمد , قال الشيخ بصوته الهادئ الرخيم
إن رسول الله عليه السلام كان رجلا فردا يوم أرسله الله بالإسلام , فمات مات بعد بضع و عشرين سنة حتى أقام دولة جمعت شتات العرب في جزيرتهم و حاربت الروم في عدة مواقع .. و كذلك محمد بن على بن عبدالله بن العباس كان رجلا فردا يوم أرسى قواعد الدعوة العباسية التي أسقطت حكم الأمويين في عضون سنوات معدودات .. و كان عبدالرحمن بن معاوية بن هشام بن عبدالملك بن مروان رجلا فردا يوم أَمَّ الأندلس فأقام فيها دولة يتفاخر بها الزمان.

فلا تخشى كونك فردا أو أن ليس أتباعا أو أنصارا .. فإن للأمر خُطة واضحة المعالم راسية الأركان يراها من عقل التاريخ بقلبه و تشبع منه عقله .. إن أنت وَعِيتَ هذ الخطة و تتبعث آثارها تم  لك بإذن الله مرادك و قرت عينك بنصب رايات التوحيد الخالص في قلب قاهرة المعز.

و أول علامة في هذه الخطة أن تؤمن أنت بنفسك و بالحق الذي معك , و بأنك قادر بإذن الله على الوصول للغاية التي تريد و الهدف الذي تقصد .. فإن لم تصله بنفسك فستكون بذلت وسعك في إرساء معالم الطريق و تثبيت أركان المنهج حتى إذا جاء من بعدك لم يبدأ من الصفر , بل يكمل ما بدأت و يتمم ما مهدت , و أنت في ذلك كله تعرف أن طريقك قد خضبته دماء ذاكية من قبلك حتى يصل إليك ذلك الحق غضا طريا كما نزل من السماء فتوطن نفسك على بذل كل غال و نفيس في سبيل هذه الدعوة.

فإن أنت آمنت بذلك بدأت تتحرك بإيمانك لتدعو من حولك للإيمان بالحق الذي معك , و أنت في ذلك لا تهتم للعدد و لا تلتفت إليه أبدا , بل إن مرادك الأوحد هم أولئك الرجال الأفذاذ الذي يستطيعون حَملَ تلك الأمانة و الاضطلاع بتلك التبعة , مسترخصين كل غالي و مستسهلين كل صعب في سبيلها .. هؤلاء هم طليعة جيشك و حملة لوائك و الدعاة لدعوتك .. اختارهم بعناية و اصطنعهم على عينك .. فإن وجدت من هذه صفته فلا تبخل عليه بوقت و لا جهد و لا مال , فإن كل استثمار ستضعه فيهم ستجنى ثمرته أضعافا مضاعفة فيما بعد حينما يحين وقت الحصاد.

نظر الشيخ أبو بكر إلى عيني تلميذه فوجدها متألقة لامعة كأنها تعكس بريق قلبه الصافي و توقد ذهنه ..
-         كأنك تستمع بالكلام يا محمد
-         جدا يا شيخ , كيف استطعت أن تحصل كل هذه الحكمة و الدراية , هل مثل هذا يوجد في بطون الكتب أم أنه فتح يمن الله به على من يشاء ؟
تبسم النابلسي بسمة عريضة حتى بدت أسنانه بيضاء متألقة لم تؤثر فيها تلك السنين الطِوال التي يحملها الرجل على كتفيه و قال: العلم موجود في بطون الكتب يا ولد يستطيعه كل قارىء , أما الفهم فهذا أمر آخر .. فإنك تحتاج لعام أو عامين لتدرس العلم , و لكنك تحتاج للعمر كله كي تتعلم.
تململ محمد في جِلسته محاولا استيعاب كلمات أستاذه , ثم بادره بقوله: و الآن , إن أنا آمنت بدعوة الحق و صار لي أعوانا عليها لم يبق لنا إلا أن نذهب للباطل في عقر داره و نثور عليه حتى نسقطه , أليس كذلك يا شيخ ؟

الفارس النبيل 3





كان أهم ما يميز أبو بكر النابلسي عن شيوخ طبقته هو إلمامه الكبير بالتاريخ , بل و فهمه الشديد لتطور الدول و أطوارها و كيفية قياماها و سقوطها .. و قد كان متابعا لما آل إليه حال العباسيين و كيف سيطر العسكر من بني بويه على مقاليد الحكم في بغداد , و لذا فإنه لما قامت دولة العبيدين أدرك منذ الوهلة الأولى أن لا أمل يُرتجى من بقايا دولة بني العباس في مواجهة جحافل شيعة بني عبيد .. و لذلك فقد مضى يتلمس أخبارهم و يتتبع خطواتهم و هو في ذلك باحثا عن أمثل طريق لوأد دولتهم اللقيطة ..

و قد كان يعلم أن الدِوَل كما الإنسان لابد لها أن تمر بأطواره كلها , بداية من طور الجنين الذي لا يمنع اختفاؤه عن الأنظار حقيقة وجوده في العالم , ثم الطفولة حيث النمو السريع , إلى الشباب و القوة و الفتوة , وصولا إلى الشيخوخة فالإضمحلال و الموت ..
و ما كانت دعوات الشيعة لأقامة دولتهم على أنقاض خلافة العباسيين في المشرق أو خلافة الأمويين المغرب لتخفى على ذي عينين , و لكنها في الوقت نفسه كانت غائبة عن هؤلاء الخلفاء و أولئك لانشغالهم بخلافاتهم الداخلية و لأن بطانتهم لا ترفعون إليهم من الأخبار إلا ما يحبون أن يسمعونه مُعرضِين عن تلك النار التي تصاعد دخانها و بدأت تتململ تحت الرماد ..

فما راع المسلمين إلا عبيد الله الذي ادعى النسب الشريف إلى فاطمة الزهراء بنت الرسول عليه الصلاة و السلام و هو منه براء قد ظهر على أفريقية في المفرب الأسط و تلقَّب بالمهدي و سام علماء أهل السنة هناك سوء العذاب .. و بدلا من أن ينطلق شمالا لغزو الروم و يفتح بلادهم إذا به يتجه شرقا و غربا ليحوز البلاد التي يحكمها العباسيين متجاهلا دماء المسلمين التي سالت حارة في حربه الطائفية تلك .. حتى دان له المغرب كله.

و لكن الثورات المتصلة لعلماء المغرب جعلت المُعز لدين الطاغوت الذي يزعم أنه مُعز لدين الله يفكر بالقدوم لمصر الهادئة بطبيعة الحال .. فحشد جنوده و جمع أمواله و أرسل قائده جوهر الصقلي ليأخذها من قبضة العباسيين المتهاوية .. و قد تم له ما أراد بكل سهولة و يسر إذ لم يكن بـمصر جيش ذو عقيدة ليحميها و استطاع الصقلي أن يخدع عاوم الشعب بل و وجهائه بسهولة و دخل المعز مصر و استقر بها .. و من ثم بدأ التطلع للشام , و هناك كان أول احتكاك بين النابلسي و العبيدين ..

فأنكر عليهم بِدَعهم الشنيعة و أفتى الناس أنهم أولى بالجهاد من الروم .. فأرسلوا في أثره ليقتلوه كما فعلوا بالمئات غيره من علماء السنة .. و عندها فر من وجههم .. و لكنه و الحالة هذه لم يكن جُلَّ همه النجاة بحياته و فقط بل إنه ظل طوال الوقت يدرس الأوضاع و يهيء الخطط التي ستمكن فيما بعد من يتتبع آثارها من القضاء على تلكم الدولة التي عاثت في الأرض فسادا.

الأربعاء، 27 يناير 2016

الفارس النبيل 1





كل ما جاء في هذه الرواية من نسج خيال المؤلف إذ قد يتعارض و بعض سياقات التاريخ
-----------------------------

رَفَعَ الشيخُ الكبيرُ رأسَه عن مصحفِه الراقدِ بين يديِه لينظرَ إلى طالبِه الذي سأله ذلكَ السؤالَ فاستنفرَ كلَ ذرةٍ من ذراتِ مُخِهِ المُتَقِدِ رغم سِنِي عُمُرِه الثمَاَنين .. فإذا لحيتُه كأنها لُجينٌ أُذيبَ على خَدِّه الأسيل .. و إذا الزمانُ قد خَطَّ في جَبهَتِه و وَجهِه ممراتٍ و أخاديدَ تجري فيها أنهارُ الحِكمةِ التي شَرِبها من بطونِ الكُتبِ و عاشها على مدى عُمُرِه المَدِيد ..

ماذا قلتَ يا بُنَي .. خَرجَ صوتُه رَخيماً هادئاً ساكناً كما كُلِ ملامحِه و قَسَماتِه

عدَّل الطالبُ من جِلسَتِه إذ هَالَهُ نظر شيخه إليه مُباشرةً على غير عادته قائلاً سألتُك يا شيخَنا عن دولةِ الحقِ و دولةِ الباطلِ .. كيف يمكنُ للأولى أن تنتصرَ على الثانيةِ إن كانت الثانيةُ عاليةً مُتَمَكِنةً من البلادِ و العِبادِ .. قد جَمَعت حَدَّها و حَديدَها و عاثت في الأرضِ الفسادِ ..

فتنهدَ الشيخُ مُخرِجَاً من سويداءَ قلبِه زفرةً حارةً بحرارةِ ما يعرفُه و يراهُ من اصطراعِ الحقِ و الباطلِ .. و قال: قد سألتَ عن عظيمٍ فاسمع ..

إعلم يا بُنَي إنَّ الحربَ بين الحقِ و الباطلِ حربٌ أزليةٌ مُذ خلقَ اللهُ آدمَ و حتى قيامَ الساعةِ .. و لكنَّ اللهَ جَلَّت حِكمَتُه قد وضعَ لهذا الصراعِ سُنَناً كونيةً ربانيةً لا تتبدلُ و لا تتغيرُ..  فإن أرادَ مُريدٌ أن يُقِيمَ دولةَ الحقِ بـغيرِ مُراعاةِ تِلك السُنَن فقد أبعد النجعة و أفسدَ من حيثُ أرادَ أن يُصلِحَ و أسأءَ من حيثُ أرادَ أن يُحسِنَ .. إذ أن سنن الله لا تُحابي أحداً بِحالٍ مهما إدَّعى لنفسِهِ من صُنُوفِ المُحاباةِ ، بل و مهما بذل من دم و مال ..

إن الباطل يا ولدي لن يتنازل عن دولته للحق لمجرد أن الحق حق , مهما خاض في دماء أهل الحق و لو قتلهم جميعا حتى أفناهم عن بكرة أبيهم .. و إن سلطان الباطل إن لم يُنتزع منه بالقوة المُغَلَّفَة بالحكمة فإنه لن يتركه أبدا لأنه يعلم يقينا أن في ذلك هلاكه .. و إن صاحب الحق الذي يقف أمام الباطل المُدَججِ بسلاحه أعزلا عاري اليدين فإنه إنما يضع لبنة في دولة الباطل و يهدم لبنة في دولة الحق إذ أنه يقدم ثمرة فؤاده للباطل ليقطفها دونما أدنى مشقة أو تعب ..

أطرق الشاب كأنما تهَّب من ذلك الكلام بعيد المعنى عظيم المغزى .. فـنَظَر الرجلُ المُسِن إلى عينَي تلميذِه الصافيتين كـصفاءِ قلبِه كأنما شعر يجول بخاطره .. و قال: يا ولدي إنَّ الحقَ مُنتصرٌ لا محالةَ و اقرأ إن شِئت قوله تعالى "إنَّا لَننصر رسلنا في الحياة الدنيا و يوم يقوم الأشهاد" .. و الباطلَ زاهقٌ لا ريبَ و اسمع لقول ربك تعالت قُدرته " بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق " .. و هذا متواتر في تاريخ البشرِ منذ بدء الخَليقةِ إلى يومِ الناسِ هذا ..

و لكن أهل هذه البلاد قد صاروا و كأن الله قد طمس على بصيرتهم , فـعلى الرغم من أن المُعِز العُبَيدي منذ أن نزل مصر و اختط قائده جوهر الصقلي القاهرة و هو يُغِيرُ على دين الله أكثر مما يُغِير على الروم , و كأنه جاء بثورة دينية اكتشفها هو و آباؤه بعد أربعة قرون و نصف من بعثة رسولنا الكريم .. فقد حرف الأذان¸ و هتف بـ " حي على خير العمل " , و سب الصحابة , و قذف أمهات المؤمنين , و هذا جامعه الأزهر يبث السموم في الناس مذ أنشأه لليوم .. على الرغم من كل هذا و الناس كأنهم لا يرون و لا يسمعون و لا بخير يأمرون و لا عن منكر ينهون.

و قد هلك المُعِز ثم هلك من بعده العزيز , و ها هو الحاكم بأمر الله و قد ادعى اليوم الألوهية فأضاف على طوام بني عُبَيد طامة كُبرى فاقت كل سابقاتها .. و مازال الناس تُلهيهم حياتهم و يُؤرقهم قوت أولادهم و حصاد زروعهم و أرضهم عن الغضب لدين الله ..

و أنا أصدقك القول يا مُحَمَّد لست أرى اليوم من مخرج لهذه البلاد من حمأه ما هي فيه من الضلالة إلا على يديك ..

أجفل الشاب و نظر إلى شيخيه بعينين ممتقعتين و هتف في استنكار أنا يا شيخ ! .. فأجابه الشيخ أبو بكر: أجل أنت , فأنا كما ترى قد كبر سني و رق عظمي و فوق ذلك أنا مُطاردٌ من العُبيدين و قد أهدروا دمي .. و كيف لي بذلك يا شيخنا و أنا رجل فرد , رد محمد و قد حار جوابا و لم يدري بم يجيب شيخه
***

الفارس النبيل 2




كل ما جاء في هذه الرواية من نسج خيال المؤلف إذ قد يتعارض و بعض سياقات التاريخ
------------------

قوي الشخصيةِ  كان .. و لكنه كان و يا للعجب رقيق القلب مرهف الحِسِ.
قوي البِنيَةِ عريض المِنكَبين .. و لكن ليس كعرض أحلامه التي بلغت المشرقين و المغربين.
يُدمِعُه موقف رقراق .. و تُرضيه كلمة حانية .. و لا يغضب إلا عندما تُنتَهك الحُرُمات.
رخيم الصوت , هادئ الطبع .. و لكنه إن غَضِبَ احمَر وجهه و صار كمُسَعِّر حرب يقول صبَّحكم و مسَّاكم.
فارس نبيل , بعلو همته و سُمُو غايته و كرم أخلاقه .. في زمان كسر فيه الفرسان المزعومين أسيافهم و نزلوا عن صهوة جيادهم.
على الرغم من سِنِيِ عُمُره التي بالكاد جاوزت الثلاثين , إلا أنه كان مازال يحمل تلك الملامح الطفولية التي لم تستطع تلك الشعرات البيضاء هنا و هناك أن تنال منها و من تَوَقُّد الإصرار في عينيه.

هكذا كان محمد بن الحسن أو سيف الدين كما يحلو له أن يدعو نفسه , نشأ و ترعع في الإسكندرية حيث كان أبوه تاجرا كبيرا من وجهاء المدينة .. قد حرص أبوه منذ صغره على تحفيظه القرآن و إرساله للعلماء السنة حتى يتعلم على أيديهم .. و قد أبدى الولد منذ صغره نبوغا و ذكاءا ملفتا جعله الأقرب إلى قلب أبيه من بين إخوته التسعة .. و هو مع ذلك فارسا لا يشق له غبار قد تعلم الفروسية و الكرة و الصولجان , و برع في المبارة و الرمي و النِّشاب و هو بعد لم يكمل الخامسة عشر من عمره.

فلما قرر والده الحسن بن علي البزاز (بائع الأقمشة و الثياب) أن يرتحل إلى القاهرة لتوسيع تجارته .. لم يرق هذا محمدا إذ كان حبه للبحر و ولعه به لا يدانيه حب , على عكس إخوته الذين تطلعوا لرؤية ما يتحدث الناس عنه من جميل العمارة و البنيان في القاهرة

و لقد كان كثيرا ما يجلس على شاطئ البحر بعد انتهاء درسه يتأمله و كأنما يريد أن يسبر أغواره و أن يستنطقه مكنون ما يكتم بداخله , حتى غدا تأمله في البحر جزءا أصيلا لا يكاد يتجزَّء من شخصيته .. فلما نزل إلى القاهرة هالهُ منظر النيل و سرعة جريانة و عِظم خصبه و وجد فيه بعض السلوى عما فقد من بحر الإسكندرية الكبير المتلاطم

على أن النيل لم يكن أعظم شيء حصل عليه محمد في القاهرة .. و ذلك أنه التقى فيها قدرا بالشيخ أبي بكر النابلسي العالم العامل المحدث الذي كان قد فر من وجه العبيدين لما نزلوا نابلس من أرض فلسطين و أظهروا فيه بدعة تشيعهم و غيروا معالم أهل السنة هناك فأنكر عليهم أيما أنكار , و لما أرسلوا في أثره قرر أنه لا مكان أأمن يختفي فيه من عقر دارهم فارتحل سرا إلى القاهرة ..

و ظل محمد يتردد على شيخه النابلسي سرا ينهل من علمه و يتعلم من سَمته .. و كلما ازداد علما كلما تحسَّر قلبه على الحال الذي آلت إليه البلاد على أيدي بني عبيد الذين غيَّروا المِلة و طمسوا معالم الدين .. حتى جاء ذلك اليوم الذي سأل فيه شيخه مباشرة كيف يمكن للحق أن ينتصر و قد علا الباطل كل هذا العلو و انتفش ..

و كان الشيخ أبو بكر يتوسَّم فيه خيرا و يؤمَّل أن يأتي الخير على يديه بعدما عرف من جميل خصاله و كريم شمائله , و قد كان قد رسم خطة الخلاص من شرور العبيدين الجاثمين على صدور أهل الإسلام في مصر و بلاد المغرب و لكنه كان مايزال يبحث عن رجل أهل ثقة يحمل عبأ هذه الأمانة ..

إعلم يا محمد أن الأمر جد لا هزل فيه البته , و أن هذا الدين ما وصلنا إلا على دروب من جماجم المجاهدين و أنهار من دمائهم , و أنه دون ما سألت عنه أن تَعضَّك سيوف أهل الباطل حتى تأخذ من تحب ممن حولك أو حتى تأخذ روحك أنت .. و لن ينتهي بك الأمر أبدا عند الصدع بالحق في وجوه أولئك الظلمة المتجبرين و فقط , فإن من سنن الله في خلقه أن دولة الباطل لا تسقط أبدا بـ " حناجر " أهل الحق مهما علت أصواتهم في الصدع بالحق ، و أن دولة الحق لن تقوم أبدا بيد عَزلى من كل قوة تحمي هذا الحق .. و لقد رأيتُني و أنا أصدع بالحق في وجوههم منذ خمسين سنة فما فَتَّ ذلك لهم من عضد و لا أوهن لهم من ساعد .. و لولا أني هربت منهم لأنشر الحق الذي معي في عُقر دارهم ما كنت اليوم لتراني أو تسمع صوتي

أطرق محمد و قد أحس أن أمانة عظيمة بعظمة هذه الأمة قد أُلقِيت على عاتقه يوم ألقى عليه شيخه هذه الكلمات و تداعت أمام ناظريه صور الكثير ممن يحبهم .. و تخيل ما يمكن أن يكون عليه مستقبله و القابل من أيامه .. و تصاعدت في رأسه تلك الأسئلة التي ظلَّت تتردد دون إجابة واضحة , هل أنا حقا أهل لحمل هذه الأمانة , هل يمكن أن يكون الله عزوجل قد كتب على يدي إنقاذ هذه الأمة , هل سيكتب لي حقا أن أرى دولة الحق و قد انتصرت على دولة الباطل , هل الحق الذي معي المجرد حاليا من كل قوة قادر على هزيمة الباطل في أوج قوته و عنفوانه ..

انتبه فجأة على صوت الشيخ النابلسي يقول و قد أحس بما يدور بُخلده: إعلم يا محمد أننا دعاة إلى الله عزوجل , و الدعاة أجراء عند الله أينما و حيثما و كيفما أرادهم أن يعملوا عملوا , و قبضوا الأجر المعلوم ! و ليس لهم و لا عليهم أن تتجه الدعوة إلى أي مصير , فذلك شأن صاحب الدعوة لا شأن الأجير .. و هم يقبضون الدفعة الأولى طمأنينة في القلب , و رفعة في الشعور , و جمال في التصور و تحررا من الخوف و القلق في كل الأحوال .. و هم يقبضون الدفعة الثانية ثناءا في الملأ الأعلى و ذكرا و كرامة , و هم بعد في هذه الأرض الصغيرة .. ثم هم يقبضون الدفعة الكبرى في الآخرة حسابا يسيرا و نعيما كبيرا .. و مع كل دفعة ما هو أكبر منها جميعا , رضوان الله , و أنهم مختارون ليكونوا أداة لقدره و ستارا لقدرته يفعل بهم في الأرض ما يشاء.

نزلت الكلمات بردا و سلما عليه و كأن شيخه قد أحس بما دار في رأسه فأحب أن يطمأنه و يثبت فؤاده و لم يكن يتخيل ساعتها أن هذه الكلمات ستكون أعظم مثبت له و لأصحابه بعد ذلك بسنين .. أكمل النابلسي قائلا: إن المؤمن الذي يدعو لإقامة دولة الحق في أرض الله لتحكم بشرع الله أعلى من الباطل مهما بلغت قوته , و ليكن للضلال سلطانه , و ليكن له هيله و هيلمانه , و لتكن معه جموعه و جماهيره .. إن هذا لا يغير من الحق شيئا , إنه على الحق و ليس بعد الحق إلا الضلال , و لن يختار مؤمن الضلال على الحق -و هو مؤمن- و لن يعدل بالحق الضلال كائنة ما كانت الملابسات و الأحوال ..

***