كل
ما جاء في هذه الرواية من نسج خيال المؤلف إذ قد يتعارض و بعض سياقات التاريخ
-----------------------------
رَفَعَ
الشيخُ الكبيرُ رأسَه عن مصحفِه الراقدِ بين يديِه لينظرَ إلى طالبِه الذي سأله
ذلكَ السؤالَ فاستنفرَ كلَ ذرةٍ من ذراتِ مُخِهِ المُتَقِدِ رغم سِنِي عُمُرِه
الثمَاَنين .. فإذا لحيتُه كأنها لُجينٌ أُذيبَ على خَدِّه الأسيل .. و إذا الزمانُ
قد خَطَّ في جَبهَتِه و وَجهِه ممراتٍ و أخاديدَ تجري فيها أنهارُ الحِكمةِ التي شَرِبها
من بطونِ الكُتبِ و عاشها على مدى عُمُرِه المَدِيد ..
ماذا
قلتَ يا بُنَي .. خَرجَ صوتُه رَخيماً هادئاً ساكناً كما كُلِ ملامحِه و قَسَماتِه
عدَّل
الطالبُ من جِلسَتِه إذ هَالَهُ نظر شيخه إليه مُباشرةً على غير عادته قائلاً سألتُك
يا شيخَنا عن دولةِ الحقِ و دولةِ الباطلِ .. كيف يمكنُ للأولى أن تنتصرَ على
الثانيةِ إن كانت الثانيةُ عاليةً مُتَمَكِنةً من البلادِ و العِبادِ .. قد جَمَعت
حَدَّها و حَديدَها و عاثت في الأرضِ الفسادِ ..
فتنهدَ
الشيخُ مُخرِجَاً من سويداءَ قلبِه زفرةً حارةً بحرارةِ ما يعرفُه و يراهُ من
اصطراعِ الحقِ و الباطلِ .. و قال: قد سألتَ عن عظيمٍ فاسمع ..
إعلم
يا بُنَي إنَّ الحربَ بين الحقِ و الباطلِ حربٌ أزليةٌ مُذ خلقَ اللهُ آدمَ و حتى
قيامَ الساعةِ .. و لكنَّ اللهَ جَلَّت حِكمَتُه قد وضعَ لهذا الصراعِ سُنَناً
كونيةً ربانيةً لا تتبدلُ و لا تتغيرُ.. فإن أرادَ مُريدٌ أن يُقِيمَ دولةَ الحقِ بـغيرِ
مُراعاةِ تِلك السُنَن فقد أبعد النجعة و أفسدَ من حيثُ أرادَ أن يُصلِحَ و أسأءَ
من حيثُ أرادَ أن يُحسِنَ .. إذ أن سنن الله لا تُحابي أحداً بِحالٍ مهما إدَّعى
لنفسِهِ من صُنُوفِ المُحاباةِ ، بل و مهما بذل من دم و مال ..
إن الباطل يا ولدي لن يتنازل عن دولته للحق لمجرد أن الحق حق , مهما خاض في دماء أهل الحق و لو قتلهم جميعا حتى أفناهم عن بكرة أبيهم .. و إن سلطان الباطل إن لم يُنتزع منه بالقوة المُغَلَّفَة بالحكمة فإنه لن يتركه أبدا لأنه يعلم يقينا أن في ذلك هلاكه .. و إن صاحب الحق الذي يقف أمام الباطل المُدَججِ بسلاحه أعزلا عاري اليدين فإنه إنما يضع لبنة في دولة الباطل و يهدم لبنة في دولة الحق إذ أنه يقدم ثمرة فؤاده للباطل ليقطفها دونما أدنى مشقة أو تعب ..
إن الباطل يا ولدي لن يتنازل عن دولته للحق لمجرد أن الحق حق , مهما خاض في دماء أهل الحق و لو قتلهم جميعا حتى أفناهم عن بكرة أبيهم .. و إن سلطان الباطل إن لم يُنتزع منه بالقوة المُغَلَّفَة بالحكمة فإنه لن يتركه أبدا لأنه يعلم يقينا أن في ذلك هلاكه .. و إن صاحب الحق الذي يقف أمام الباطل المُدَججِ بسلاحه أعزلا عاري اليدين فإنه إنما يضع لبنة في دولة الباطل و يهدم لبنة في دولة الحق إذ أنه يقدم ثمرة فؤاده للباطل ليقطفها دونما أدنى مشقة أو تعب ..
أطرق
الشاب كأنما تهَّب من ذلك الكلام بعيد المعنى عظيم المغزى .. فـنَظَر الرجلُ
المُسِن إلى عينَي تلميذِه الصافيتين كـصفاءِ قلبِه كأنما شعر يجول بخاطره .. و
قال: يا ولدي إنَّ الحقَ مُنتصرٌ لا محالةَ و اقرأ إن شِئت قوله تعالى "إنَّا
لَننصر رسلنا في الحياة الدنيا و يوم يقوم الأشهاد" .. و الباطلَ زاهقٌ لا
ريبَ و اسمع لقول ربك تعالت قُدرته " بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا
هو زاهق " .. و هذا متواتر في تاريخ البشرِ منذ بدء الخَليقةِ إلى يومِ
الناسِ هذا ..
و
لكن أهل هذه البلاد قد صاروا و كأن الله قد طمس على بصيرتهم , فـعلى الرغم من أن
المُعِز العُبَيدي منذ أن نزل مصر و اختط قائده جوهر الصقلي القاهرة و هو يُغِيرُ
على دين الله أكثر مما يُغِير على الروم , و كأنه جاء بثورة دينية اكتشفها هو و
آباؤه بعد أربعة قرون و نصف من بعثة رسولنا الكريم .. فقد حرف الأذان¸ و هتف بـ
" حي على خير العمل " , و سب الصحابة , و قذف أمهات المؤمنين , و هذا
جامعه الأزهر يبث السموم في الناس مذ أنشأه لليوم .. على الرغم من كل هذا و الناس
كأنهم لا يرون و لا يسمعون و لا بخير يأمرون و لا عن منكر ينهون.
و
قد هلك المُعِز ثم هلك من بعده العزيز , و ها هو الحاكم بأمر الله و قد ادعى اليوم
الألوهية فأضاف على طوام بني عُبَيد طامة كُبرى فاقت كل سابقاتها .. و مازال الناس
تُلهيهم حياتهم و يُؤرقهم قوت أولادهم و حصاد زروعهم و أرضهم عن الغضب لدين الله
..
و
أنا أصدقك القول يا مُحَمَّد لست أرى اليوم من مخرج لهذه البلاد من حمأه ما هي فيه
من الضلالة إلا على يديك ..
أجفل
الشاب و نظر إلى شيخيه بعينين ممتقعتين و هتف في استنكار أنا يا شيخ ! .. فأجابه
الشيخ أبو بكر: أجل أنت , فأنا كما ترى قد كبر سني و رق عظمي و فوق ذلك أنا
مُطاردٌ من العُبيدين و قد أهدروا دمي .. و كيف لي بذلك يا شيخنا و أنا رجل فرد ,
رد محمد و قد حار جوابا و لم يدري بم يجيب شيخه
***

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق