كان
أهم ما يميز أبو بكر النابلسي عن شيوخ طبقته هو إلمامه الكبير بالتاريخ , بل و
فهمه الشديد لتطور الدول و أطوارها و كيفية قياماها و سقوطها .. و قد كان متابعا
لما آل إليه حال العباسيين و كيف سيطر العسكر من بني بويه على مقاليد الحكم في
بغداد , و لذا فإنه لما قامت دولة العبيدين أدرك منذ الوهلة الأولى أن لا أمل
يُرتجى من بقايا دولة بني العباس في مواجهة جحافل شيعة بني عبيد .. و لذلك فقد مضى
يتلمس أخبارهم و يتتبع خطواتهم و هو في ذلك باحثا عن أمثل طريق لوأد دولتهم
اللقيطة ..
و
قد كان يعلم أن الدِوَل كما الإنسان لابد لها أن تمر بأطواره كلها , بداية من طور
الجنين الذي لا يمنع اختفاؤه عن الأنظار حقيقة وجوده في العالم , ثم الطفولة حيث
النمو السريع , إلى الشباب و القوة و الفتوة , وصولا إلى الشيخوخة فالإضمحلال و
الموت ..
و
ما كانت دعوات الشيعة لأقامة دولتهم على أنقاض خلافة العباسيين في المشرق أو خلافة
الأمويين المغرب لتخفى على ذي عينين , و لكنها في الوقت نفسه كانت غائبة عن هؤلاء
الخلفاء و أولئك لانشغالهم بخلافاتهم الداخلية و لأن بطانتهم لا ترفعون إليهم من
الأخبار إلا ما يحبون أن يسمعونه مُعرضِين عن تلك النار التي تصاعد دخانها و بدأت
تتململ تحت الرماد ..
فما
راع المسلمين إلا عبيد الله الذي ادعى النسب الشريف إلى فاطمة الزهراء بنت الرسول
عليه الصلاة و السلام و هو منه براء قد ظهر على أفريقية في المفرب الأسط و تلقَّب
بالمهدي و سام علماء أهل السنة هناك سوء العذاب .. و بدلا من أن ينطلق شمالا لغزو
الروم و يفتح بلادهم إذا به يتجه شرقا و غربا ليحوز البلاد التي يحكمها العباسيين
متجاهلا دماء المسلمين التي سالت حارة في حربه الطائفية تلك .. حتى دان له المغرب
كله.
و
لكن الثورات المتصلة لعلماء المغرب جعلت المُعز لدين الطاغوت الذي يزعم أنه مُعز
لدين الله يفكر بالقدوم لمصر الهادئة بطبيعة الحال .. فحشد جنوده و جمع أمواله و
أرسل قائده جوهر الصقلي ليأخذها من قبضة العباسيين المتهاوية .. و قد تم له ما
أراد بكل سهولة و يسر إذ لم يكن بـمصر جيش ذو عقيدة ليحميها و استطاع الصقلي أن
يخدع عاوم الشعب بل و وجهائه بسهولة و دخل المعز مصر و استقر بها .. و من ثم بدأ
التطلع للشام , و هناك كان أول احتكاك بين النابلسي و العبيدين ..
فأنكر
عليهم بِدَعهم الشنيعة و أفتى الناس أنهم أولى بالجهاد من الروم .. فأرسلوا في
أثره ليقتلوه كما فعلوا بالمئات غيره من علماء السنة .. و عندها فر من وجههم .. و
لكنه و الحالة هذه لم يكن جُلَّ همه النجاة بحياته و فقط بل إنه ظل طوال الوقت
يدرس الأوضاع و يهيء الخطط التي ستمكن فيما بعد من يتتبع آثارها من القضاء على
تلكم الدولة التي عاثت في الأرض فسادا.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق