قناديل ملك الجليل
قناديل ملك الجليل هي أحد فصول الملهاة الفلسطينية لـ
إبراهيم نصر .. و هي و إن كانت متأخرة في الكتابة و النشر إلا أنها متقدمة في الفترة
الزمنية و الحس الأدبي و الفني العالي الذي يشع من بين ثناياها ...
و على الرغم أني آليت على نفسي أن أكتب عن الكتب التي
أقرأها فإني بقيت زمنا عازفا عن الكتابة عن هذه الرواية تحديدا .. إذ أني بينما
أقرأها كنت أشعر و كأني أنظر إلى مستقبلي و القادم من أيامي.
ظاهر العمر الابن الأصغر لـ عمر الزيداني هو بطل القصة ..
الرجل الذي حارب ولاة الدولة العثمانية المتجبرين و أقام دولة من طبرية إلى عكا
مرورا بـ حيفا و يافا و ما حولهم .. كل ذلك في بضع عشرات من السنين .. ثم قلبت له
الدنيا ظهر المِجَن فأردته قتيلا بعد أن خانه قائد جنده و تآمر عليه أقرب الناس
إليه ..
بدأ أمره عندما أراد أن يريح أهله و بني بلده من تسلط و ظلم
جباة لضرائب .. فأطاعه أهل بلده و أحبوه
إذ رفع عنهم ذلك الذل الجاثم على صدورهم .. و قد كان يمكن أن يقف الأمر عند هذا
الحد .. و لكن أنى للنفوس العليَّة أن ترضي بما دون الجوزاء أو تتوقف عن مناطحة
السماء .. فألقى ببصره نحو الغرب تجاه ساحل البحر .. و أراد أن يفعل بـ عكا فعله
بطبرية ..
و لكن بناء الدول يحتاج لرجال يفهمون سنن الله في خلقه .. و
قد كان , فقد أقام جيشا و عقد حلفا و شاد سورا و حصنا .. هييء لنفسه السبيل و مهده
بحيث صار سقوط تلك المدائن في قبضته كسقوط الثمرة التي اكتمل نضوجها .. فتم له ما
أراد بعد لأيٍ طويل و جهد جهيد.
و هو في ذلك رجل لم تنسيه بطولاته في ميدان الحرب واجباته
في ميدان الحب .. فنجده يحب صفية بنت الشريف الحسيني الدمشقية و لكنها لا تنجب له
الولد الذي يعينه على طريقه .. فتزوجه هي بنفسها ممن تنجب له الولد .. ثم تمر
الأيام و يتزوج النساء اللاتي تنجب له البنين و البنات و لكن أيا منهن لا يعوض
فقده لزوجته الأولى .. حتى تشرق في حياته " عيشة " الجارية الشركية التي
يعجز الكلام عن وصفها و يتضائل الجمال عندما يطل وجها و تكسف الشمس لبسمة من ثغرها
.. فتعود بالشيخ الذي بلغ الثمانين لصبي بالكاد دخل إلى العشرين و لا عجب فالحب
يصنع المعجزات.
ثم تبدأ سنة الله في انخفاض كل ما ارتفع و أفول كل نجم قد
سطع .. فتحكم الدولة العثمانية قبضتها عليه شمالا و جنوبا و برا و بحرا .. و يشتري
ولاتها ضمائر قادته و يغروا أولاده بملكه .. حتى ينهار ما بناه بعد أن عاش ستين
سنة ينشر العدل في الساحل الفلسطيني , سنة الله و لن تجد لسنة الله تبديلا.
رواية رائعة بحق فإنك تجد فيها من العبر و الكلمات و الدروس
الشيء الكثير الذي قَلَّ أن تجد نظيره في غيرها.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق