الجمعة، 22 يناير 2016

قناديل ملك الجليل

قناديل ملك الجليل
قناديل ملك الجليل هي أحد فصول الملهاة الفلسطينية لـ إبراهيم نصر .. و هي و إن كانت متأخرة في الكتابة و النشر إلا أنها متقدمة في الفترة الزمنية و الحس الأدبي و الفني العالي الذي يشع من بين ثناياها ...

و على الرغم أني آليت على نفسي أن أكتب عن الكتب التي أقرأها فإني بقيت زمنا عازفا عن الكتابة عن هذه الرواية تحديدا .. إذ أني بينما أقرأها كنت أشعر و كأني أنظر إلى مستقبلي و القادم من أيامي.

ظاهر العمر الابن الأصغر لـ عمر الزيداني هو بطل القصة .. الرجل الذي حارب ولاة الدولة العثمانية المتجبرين و أقام دولة من طبرية إلى عكا مرورا بـ حيفا و يافا و ما حولهم .. كل ذلك في بضع عشرات من السنين .. ثم قلبت له الدنيا ظهر المِجَن فأردته قتيلا بعد أن خانه قائد جنده و تآمر عليه أقرب الناس إليه ..

بدأ أمره عندما أراد أن يريح أهله و بني بلده من تسلط و ظلم جباة لضرائب  .. فأطاعه أهل بلده و أحبوه إذ رفع عنهم ذلك الذل الجاثم على صدورهم .. و قد كان يمكن أن يقف الأمر عند هذا الحد .. و لكن أنى للنفوس العليَّة أن ترضي بما دون الجوزاء أو تتوقف عن مناطحة السماء .. فألقى ببصره نحو الغرب تجاه ساحل البحر .. و أراد أن يفعل بـ عكا فعله بطبرية ..

و لكن بناء الدول يحتاج لرجال يفهمون سنن الله في خلقه .. و قد كان , فقد أقام جيشا و عقد حلفا و شاد سورا و حصنا .. هييء لنفسه السبيل و مهده بحيث صار سقوط تلك المدائن في قبضته كسقوط الثمرة التي اكتمل نضوجها .. فتم له ما أراد بعد لأيٍ طويل و جهد جهيد.

و هو في ذلك رجل لم تنسيه بطولاته في ميدان الحرب واجباته في ميدان الحب .. فنجده يحب صفية بنت الشريف الحسيني الدمشقية و لكنها لا تنجب له الولد الذي يعينه على طريقه .. فتزوجه هي بنفسها ممن تنجب له الولد .. ثم تمر الأيام و يتزوج النساء اللاتي تنجب له البنين و البنات و لكن أيا منهن لا يعوض فقده لزوجته الأولى .. حتى تشرق في حياته " عيشة " الجارية الشركية التي يعجز الكلام عن وصفها و يتضائل الجمال عندما يطل وجها و تكسف الشمس لبسمة من ثغرها .. فتعود بالشيخ الذي بلغ الثمانين لصبي بالكاد دخل إلى العشرين و لا عجب فالحب يصنع المعجزات.

ثم تبدأ سنة الله في انخفاض كل ما ارتفع و أفول كل نجم قد سطع .. فتحكم الدولة العثمانية قبضتها عليه شمالا و جنوبا و برا و بحرا .. و يشتري ولاتها ضمائر قادته و يغروا أولاده بملكه .. حتى ينهار ما بناه بعد أن عاش ستين سنة ينشر العدل في الساحل الفلسطيني , سنة الله و لن تجد لسنة الله تبديلا.

رواية رائعة بحق فإنك تجد فيها من العبر و الكلمات و الدروس الشيء الكثير الذي قَلَّ أن تجد نظيره في غيرها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق