السبت، 9 يناير 2016

دولة الحق


رَفَعَ الشيخُ الكبيرُ رأسَه عن مصحفِه الراقدِ بين يديِه لينظرَ إلى طالبِه الذي سأله ذلكَ السؤالَ فاستنفرَ كلَ ذرةٍ من ذراتِ مُخِهِ المُتَقِدِ رغم سِنِي عُمُرِه الثمَاَنين .. فإذا لحيتُه كأنها لُجينٌ أُذيبَ على خَدِّه الأسيل .. و إذا الزمانُ قد خَطَّ في جَبهَتِه و وَجهِه ممراتٍ و أخاديدَ تجري فيها أنهارُ الحِكمةِ التي شَرِبها من بطونِ الكُتبِ و عاشها على مدى عُمُرِه المَدِيد ..
ماذا قلتَ يا بُنَي .. خَرجَ صوتُه رَخيماً هادئاً ساكناً كما كُلِ ملامحِه و قَسَماتِه
عدَّل الطالبُ من جِلسَتِه إذ هَالَهُ نظر الشيخِ إليه مُباشرةً على غير عادته قائلاً سألتُك يا شيخَنا عن دولةِ الحقِ و دولةِ الباطلِ .. كيف يمكنُ للأولى أن تنتصرَ على الثانيةِ إن كانت الثانيةُ عاليةً مُتَمَكِنةً من البلادِ و العِبادِ .. قد جَمَعت حَدَّها و حَديدَها و عاثت في الأرضِ الفسادِ ..
فتنهدَ الشيخُ مُخرِجَاً من سويداءَ قلبِه زفرةً حارةً بحرارةِ ما يعرفُه الشيخُ و يراهُ من اصطراعِ الحقِ و الباطلِ .. و قال: قد سألتَ عن عظيمٍ فاسمع ..
إعلم يا بُنَي إنَّ الحربَ بين الحقِ و الباطلِ حربٌ أزليةٌ مُذ خلقَ اللهُ آدمَ و حتى قيامَ الساعةِ .. و لكنَّ اللهَ جَلَّت حِكمَتُه قد وضعَ لهذا الصراعِ سُنَناً كونيةً ربانيةً لا تتبدلُ و لا تتغيرُ و لا تُحابي أحداً بِحالٍ مهما إدَّعى لنفسِهِ من صُنُوفِ المُحاباةِ ..  فإن أرادَ مُريدٌ أن يُقِيمَ دولةَ الحقِ بـغيرِ مُراعاةِ تِلك السُنَن فقد أفسدَ من حيثُ أرادَ أن يُصلِحَ و أسأءَ من حيثُ أرادَ أن يُحسِنَ ..
نَظَر الرجلُ المُسِن إلى عينَي تلميذِه الصافيتين كـصفاءِ قلبِه .. و قال: يا ولدي إنَّ الحقَ مُنتصرٌ لا محالةَ و اقرأ إن شِئت قوله تعالى "إنَّا لَننصر رسلنا في الحياة الدنيا و يوم يقوم الأشهاد" .. و الباطلَ زاهقٌ لا ريبَ و اسمع لقول ربك تعالت قدرته " بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق " .. و هذا متواتر في تاريخ البشرِ منذ بدء الخَليقةِ إلى يومِ الناسِ هذا .. و لكن .. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق